تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 814

مساهمون:

ص٨١٤
فالعجب كل العجب لك يا مفتون تتمرغ في تخاليط الشبهات والسحت ، وتتكالب على أوساخ الناس ، وتنقلب في الشهوات والزينة والمباهات ، وتتقلب في فتن الدنيا ثم تحتج بعبد الرحمن وتزعم أنك إن جمعت المال فقد جمعه الصحابة كأنك أشبهت السلف وفعلهم ؟ ويحك إن هذا من قياس إبليس ومن فتياه لأوليائه ! وسأصف لك أحوالك وأحوال السلف لتعرف فضائحك وفضل الصحابة . ولعمري لقد كان لبعض الصحابة أموال أرادوها للتعفف والبذل في سبيل اللّه ، فكسبوا حلالا وأكلوا طيبا وأنفقوا قصدا وقدموا فضلا ، ولم يمنعوا منها حقا ، ولم يبخلوا بها ، لكنهم جادوا للّه بأكثرها ، وجاد بعضهم بجميعها ، وفي الشدة آثروا للّه على أنفسهم كثيرا ، فباللّه أكذلك أنت ؟ واللّه أنك لبعيد الشبه بالقوم .
شرح
وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق نوفل بن إياس الهذلي قال : كان عبد الرحمن لنا جليسا وكان نعم الجليس ، وأنه انقلب بنا يوما حتى دخلنا بيته ودخل واغتسل ثم خرج فجلس معنا وأتينا بصحفة فيها خبز ولحم ، فلما وضعت بكى عبد الرحمن فقلنا له : يا أبا محمد ما يبكيك ؟ فقال : مات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير ولا أرانا أخرنا لما هو خير لنا . وأخرج أحمد في الزهد ، عن محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن سعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، عن أبيه ، عن جده أنه أتي بطعام فقال شعبة : أحسبه كان صائما فقال عبد الرحمن : قتل حمزة فلم نجد ما نكفنه فيه وهو خير مني ، وقتل مصعب بن عمير وهو خير مني فلم نجد ما نكفنه فيه ، وقد أصبنا منها ما أصبنا إني لأخشى أن تكون قد عجلت لنا طيباتنا في الدنيا . قال شعبة : وأظنه قال ولم يأكل . ( وبعد ؛ فالعجب كل العجب لمفتون تمرغ في تخاليط الشبهات والسحت وتتكالب على أوساخ الناس وهو يتقلب في ) وفي نسخة وهو يلتفت إلى ( الشهوات والزينة والمباهاة وهو يتقلب في فتن الدنيا ، ثم تحتج بعبد الرحمن بن عوف ) رضي اللّه عنه ، ( وتزعم أنك إن جمعت المال فقد جمعه الصحابة ) الكرام ، ( كأنك أشبهت السلف وفعلهم . ويحك إن هذا من قياس إبليس ومن فتياه لأوليائه ) وهو قياس فاسد وفتيا باطلة ! ( وسأصف لك أوصافك وأحوال السلف لتعرف فضائحك وفضل الصحابة ، ولعمري لقد كان لبعض الصحابة أموال أرادوها للتعفف والبذل في سبيل اللّه فكسبوا حلالا وأكلوا طيبا وأنفقوا قصدا وقدموا فضلا ) أي ما فضل عن حاجتهم قدموه للآخرة بالتصدق ( ولم يمنعوا منها حقا ) للّه تعالى ، ( ولم يبخلوا بها ، ولكنهم جادوا للّه تعالى بأكثرها ، وجاد بعضهم بجميعها ، وفي الشدة آثروا اللّه على أنفسهم كثيرا ، فباللّه أكذلك أنت ؟ واللّه إنك لبعيد الشبه بالقوم ) لا وجه للشبه بينك وبينهم فيما صنعوا .