شأن جميع أسباب الدنيا فإن الدنيا عدوة لأعداء اللّه إذ تسوقهم إلى النار ، وعدوة أولياء اللّه إذ تغمهم بالصبر عنها ، وعدوة اللّه إذ تقطع طريقه على عباده ، وعدوة نفسها ، فإنها تأكل نفسها فإن المال لا يحفظ إلا بالخزائن والحراس . والخزائن والحراس لا يمكن تحصيلها إلا بالمال وهو بذل الدراهم والدنانير ، فالمال يأكل نفسه ويضاد ذاته حتى يفنى ، ومن عرف آفة المال لم يأنس به ولم يفرح به ولم يأخذ منه إلا بقدر حاجته ، ومن قنع بقدر الحاجة فلا يبخل لأن ما أمسكه لحاجته فليس ببخل ، وما لا يحتاج إليه ، فلا يتعب نفسه بحفظه فيبذله ، بل هو كالماء على شط الدجلة إذ لا يبخل به أحد لقناعة الناس منه بمقدار الحاجة .
بيان مجموع الوظائف التي على العبد في ماله :
اعلم أن المال كما وصفناه خير من وجه وشر من وجه . ومثاله مثال حية يأخذها الراقي ويستخرج منها الترياق ويأخذها الغافل فيقتله سمها من حيث لا يدري ولا يخلو أحد عن سم المال إلا بالمحافظة على خمس وظائف :
الأولى : أن يعرف مقصود المال وأنه لماذا خلق وأنه لم يحتاج إليه حتى يكتسب ولا
شرح
وهذا شأن جميع أسباب الدنيا ) فإنها عند فقدها تورث حسرة في القلب ، ( فإن الدنيا عدوّة لأعداء اللّه إذ تسوقهم إلى النار ) فتظهر لهم إذ ذاك عداوتها ، ( وعدوة لأولياء اللّه إذ تغمهم بالصبر عنها ) والحبس عن لذاتها ، ( وعدوة للّه إذ تقطع على عباده ) السالكين إليه ، ( وعدوة نفسها فإنها تأكل نفسها فإن المال لا يحفظ إلا بالخزائن والحرس ) لها . ( والخزائن والحرس لا يمكن تحصيلها إلا بالمال وهو بذل الدراهم والدنانير ، فالمال يأكل نفسه ) بالنظر إلى الوجه المذكور ، ( ويضاد ذاته حتى يفنى ، ومن عرف آفة المال لم يأنس به ) أصلا ( ولم يأخذ منه إلا قدر حاجته ) الضرورية . ( ومن قنع بقدر الحاجة فلا يبخل لأن ما أمسكه لحاجته فليس ببخل ، وما لا يحتاج إليه فلا يتعب نفسه بحفظه فيبذله ، بل هو كالماء على شاطىء دجلة إذ لا يبخل به أحد لقناعة الناس منه بقدر الحاجة ) .