حكي أن أبا الحسن البوشنجي كان ذات يوم في الخلاء فدعا تلميذا له وقال : أنزع عني القميص وادفعه إلى فلان ، فقال : هلا صبرت حتى تخرج ؟ قال : لم آمن على نفسي أن تتغير ، وكان قد خطر لي بذله ! ولا تزول صفة البخل إلا بالبذل تكلفا كما لا يزول العشق إلا بمفارقة المعشوق بالسفر عن مستقره ؛ حتى إذا سافر وفارق تكلفا وصبر عنه مدة تسلى عنه قلبه ، فكذلك الذي يريد علاج البخل ينبغي أن يفارق المال تكلفا بأن يبذله ، بل لو رماه في الماء كان أولى به من إمساكه إياه مع الحب له . ومن لطائف الحيل
شرح
الجود هو إجابة الخاطر الأول أي لأنه لو لم يجب لخيف على صاحبه تغيره فيما عزم عليه ، ( لأن الشيطان يعده الفقر ويخوّفه ويصده عنه ) .
( يحكى أن أبا الحسن ) علي بن أحمد بن سهل ( البوشنجي ) بضم الموحدة وفتح الشين المعجمة وسكون النون . وبوشنج إحدى قرى مرو ، وأبو الحسن هذا أحد فتيان خراسان لقي أبا عثمان وابن عطاء والجريري وأبا عمرو الدمشقي ، مات سنة 248 ترجم له القشيري في الرسالة . ( كان ذات يوم في الخلاء ) يقضي حاجته فوقع في خاطره أن فقيرا يعرفه محتاج إلى قميص ( فدعا تلميذا له وقال : انزع عني ) هذا ( القميص وادفعه إلى فلان ) وسماه ( فقال : هلا صبرت ) إلى فراغك من قضاء حاجتك ( حتى تخرج قال : خطر لي بذله ولم آمن على نفسي أن تتغير ) على ما وقع لي من التخلف منه بذلك القميص ، فاستعجلت بالنزع والدفع ليتعذر رجوعها . نقله القشيري في الرسالة فقال : سمعت بعض أصحاب أبي الحسن البوشنجي يقول : كان أبو الحسن البوشنجي في الخلاء فذكره ، وذكر صاحب صفوة التاريخ أن المهدي حبس موسى بن جعفر الكاظم ببغداد ، فبينما هو يصلي ليلة من الليالي إذ مر في قراءته بهذه الآيةفَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ[ محمد صلّى اللّه عليه وسلم : 22 ] فرددها وبكى ، وكان أحسن الناس صوتا ، ثم دعا بالربيع فقال : ائتني بموسى . قال الربيع : فشككت بين موسى الهادي وبين موسى بن جعفر ، وعلمت أنه إنما أراد موسى بن جعفر لأني سمعته يقرأوَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْفأتيته على حاله يقرأ ويبكي فقال له : يا أبا الحسن قرأت هذه الآية فخطرت ببالي وخفت أن أكون قد قطعت رحمك ، فتؤمنني أن تخرج على أحد من ولدي قال : ومن أنا حتى تتخوفني واللّه لا فعلت ذلك ولا هو من شأني . قال : يا ربيع إليه الساعة ثلاثة آلاف دينار واشخصه من فوره إلى أهله لا يفسد الشيطان على قلبي . قال الربيع : فما طلع الفجر حتى دفعت إليه المال وأنهضته إلى المدينة .
( ولا تزول صفة البخل إلا بالبذل تكلفا كما لا يزول العشق إلا بمفارقة المعشوق بالسفر عن مستقره حتى إذا سافر وفارق تكلفا وصبر عليه مدة تسلى عنه قلبه ) وبرد عشقه ، ( فكذلك الذي يريد علاج البخل ينبغي أن يفارق المال تكلفا بأن يبذله ) في وجوه الخير ، ( بل لو رماه في الماء كان أولى به من إمساكه إياه مع الحب له ) لأنه يقطع علاقته عن قلبه .
( ومن لطائف الحيل فيه أن يخدع نفسه بحسن الاسم والاشتهار بالسخاء فيبذل ) أولا ( على