فإن قلت : فقد صار هذا موقوفا على معرفة الواجب فما الذي يجب بذله .
فأقول : إن الواجب قسمان : واجب بالشرع ، وواجب بالمروءة والعادة . والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة ، فإن منع واحدا منهما فهو بخيل ، ولكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل كالذي يمنع أداء الزكاة ويمنع عياله وأهله النفقة ، أو يؤديها ولكنه يشق عليه ، فإنه بخيل بالطبع ، وإنما يتسخى بالتكلف ، أو الذي يتيمم الخبيث من ماله ولا يطيب قلبه أن يعطي من أطيب ماله ، أو من وسطه ، فهذا كله بخل .
وأما واجب المروءة فهو ترك المضايقة والاستقصاء في المحقرات ، فإن ذلك مستقبح ، واستقباح ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص . فمن كثر ماله استقبح منه ما لا يستقبح من الفقير من المضايقة ، ويستقبح من الرجل المضايقة مع أهله وأقاربه ومماليكه
شرح
يحتاج إليه عند الحاجة وأن يوصل إلى مستحقه بقدر الطاقة وتدبير ذلك مستصعب ، ولعل بعض من يحب أن ينتسب إلى الكرم ينكر حد السخاء ويجعل تقدير العطية فيه نوعا من البخل ، وأن الجود بذل الموجود وهذا تكليف يفضي إلى الجهل بحدود الفضائل ، ولو كان حدّ الجود بذل الموجود لما كان للسرف موضوع ولا للتبذير موقع ، وقد ورد الكتاب والسنة بذمهما ، وإذا كان السخاء محدودا فمن وقف على حدّه سمى كريما واستوجب المدح ، ومن قصر عنه كان بخيلا واستوجب الذم .
( فإن قلت : فقد صار هذا موقوفا على معرفة الواجب فما الذي بذله يجب ؟ فأقول :
الواجب قسمان . واجب بالشرع ، وواجب بالمروءة والعادة ، والسخي هو الذي لا يمنع واجب الشرع ولا واجب المروءة فإن منع واحدا منهما فهو بخيل ، ولكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل ) أي أشد في صفة البخل ( كالذي يمنع أداء الزكاة ) فلا يزكى ( ويمنع عياله وأهله النفقة ) فلا ينفق عليهم ( أو يؤديها ) أي الزكاة ، ( ولكن يشق عليه ) ويستصعبه ، ( فإنه بخيل بالطبع ، وإنما يتسخى بالتكلف ) من غير انشراح صدر ، ( أو الذي يتيمم الخبيث من ماله ) أي يقصده فمنه ينفق ( ولا يطيب قلبه أن يعطي من أطيب ماله أو من وسطه ) وقد قال تعالى :وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ[ البقرة : 267 ] ( فهذا كله بخل ) .
( وأما واجب المروءة فهو ترك المضايقة والاستقصاء في المحقرات ) والتدقيق فيها ، ( فإذا ذلك مستقبح ) مخالف وصف الكرم ، وقد روي عن علي رضي اللّه عنه : ما استقصى كريم حقه قط كما تقدم ، ( واستقباح ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص ) أي باختلافها فقد يكون في حال وفي شخص يستقبح أشد الاستقباح دون حال وشخص ، ( فمن كثر ماله يستقبح منه ما لا يستقبح من الفقير ) الذي لا مال له ( من المضايقة ) والاستقصاء في الحساب والمعاملة ، ( ويستقبح من الرجل المضايقة مع أهله وأقاربه ومماليكه ما لا يستقبح مع الأجانب ،