تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 764

مساهمون:

ص٧٦٤
تراقيهما ، فأما المنفق فلا ينفق شيئا إلا سبغت أو وفرت على جلده حتى تخفى بنانه ، وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا قلصت ولزمت كل حلقة مكانها حتى أخذت بتراقيه فهو يوسعها ولا تتسع » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « خصلتان لا تجتمعان في مؤمن : البخل وسوء الخلق » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر » وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، وإياكم
شرح
أي درعان ، وفي رواية جبتان بالموحدة بدل النون والجبة ثوب معروف ورجحت الأولى بقوله : ( من حديد ) وادعى بعضهم انه تصحيف ( من لدن ) أي عند ( ثديهما ) بضم المثلثة وكسر الدال المهملة ومثناة تحتية مشددة جمع ثدي وأصله ثدوى كفلس وفلوس ( إلى تراقيهما ) جمع ترقوة وهما العظمان المشرفان في أعلى الصدر ، ( فأما المنفق فلا ينفق شيئا إلا سبغت ) أي امتدت وعظمت ( أو وفرت ) شك من الراوي ( على جلده حتى تخفي ) بضم تاء المضارعة وسكون الخاء المعجمة وكسر الفاء . وفي رواية تجن بجيم ونون أن تستر ( بنانه ) أي أصابعه وأنامله وصحفه بعضهم فقال : ثيابه جمع ثوب يعني أن الإنفاق يستر خطاياه كما يغطي الثوب جميع بدنه ، والمراد أن الجواد إذا همّ بالانفاق انشرح له صدره وطابت به نفسه فوسع فيه ، ( وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا إلا قلصت ) أي ارتفعت ( ولزمت كل حلقة ) بسكون اللام ( مكانها ) قال الطيبي : قيد المشبه به بالحديد إعلاما بأن القبض والشدة جبلى للإنسان ، وأوقع المنفق موقع السخي فجعله في مقابل البخيل إيذانا بأن السخاء أمر به الشارع وندب إليه لا ما يتعافاه المسلمون ، ( حتى أخذت بتراقية فهو يوسعها ولا تتسع وهو يوسعها ولا تتسع » ) هكذا مرتين في سائر النسخ ضرب المثل برجل أراد لبس درع يستجن به ، فحالت يداه بينها وبين أن يمر على جميع بدنه ، فاجتمعت في عنقه فلزمت ترقوته . والمراد أن البخيل إذا حدث نفسه بالإنفاق شحت وضاق صدره وعلت يداه . رواه أحمد ، والشيخان ، وابن حبان من حديث أبي هريرة بلفظ « مثل البخيل والمتصدق » وعندهم بعد قوله بنانه وتعفوا اثره ، وفيه : إلا لزقت بدل لزمت ، وفيه : فهو يوسعها فلا تتسع مرة واحدة . وزعم بعضهم أن هذه الجملة الأخيرة مدرجة من كلام أبي هريرة ، وهو وهم لو ورد التصريح برفعه . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلم « خصلتان لا تجتمعان في مؤمن البخل وسوء الخلق » ) قال العراقي : رواه الترمذي من حديث أبي سعيد وقال غريب انتهى . قلت : ورواه أيضا الطيالسي ، وعبد بن حميد ، والبخاري في الأدب ، والبزار ، وأبو يعلى ، وابن جرير في تهذيبه ، والبيهقي في الشعب . ( قال صلّى اللّه عليه وسلم ) في دعائه : ( « اللهم إني أعوذ بك من البخل وأعوذ بك من الجبن وأعوذ بك ان أردّ إلى أرذل العمر » ) رواه البخاري من حديث سعد ، وقد تقدم في الأذكار والدعوات .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 764 | مرتضى الزبيدي