إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 761
وأتى رجل صديقا له فدق عليه الباب فقال : ما جاء بك ؟ قال : عليّ أربعمائة درهم دين ، فوزن أربعمائة درهم وأخرجها إليه وعاد يبكي ، فقالت امرأته : لم أعطيته إذ شق عليك ؟ فقال : إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى أحتاج إلى مفاتحتي ، فرحم اللّه من هذه صفاتهم وغفر لهم أجمعين . بيان ذم البخل : قال اللّه تعالى : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ الحشر : 9 ] وقال تعالى : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ [ آل عمران : 180 ] وقال تعالى : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [ النساء : 37 ] وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم ، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا ( وأتى رجل صديقا له فدق عليه الباب فقال : ما جاء بك ؟ قال : علي أربعمائة درهم دينا ) وفي نسخة : دين ( قال : فوزن أربعمائة درهم وأخرجها إليه وعاد يبكي فقالت امرأته : لم أعطيته إذ شق عليك ) إذ ظنت أنه إنما بكى لأجل ذلك ؟ ( فقال : إنما أبكي لأني لم أتفقد حاله حتى احتاج إلى مفاتحتي ) نقله القشيري في الرسالة . بيان ذم البخل : وهو إمساك المقتنيات عما لا يحق حبسها عنه ويقابله الجود . والبخل ثمرة الشح والشح يأمر بالبخل . ( قال اللّه تعالى : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) والشح بخل مع حرص وهو ضد الإيثار ، فإن المؤثر على نفسه تارك لما هو محتاج إليه ، فالشحيح حريص على ما ليس بيده ، فإذا حصل بيده شح وبخل فالبخل ثمرة الشح والشح يأمر بالبخل ، والبخيل من أجاب داعي الشح ، والمؤثر من أجاب داعي الجود والسخاء والإحسان ( وقال ) اللّه ( تعالى : لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) ثم البخل ضربان : بخل بقنيات نفسه ، وبخل بقنيات غيره وهو أكثرهما ذما ( و ) على ذلك ( قال ) اللّه ( تعالى : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « إياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم ) من الأمم ( حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم » ) قال العراقي : رواه مسلم من حديث جابر بلفظ : « واتقوا الشح فإن الشح » الحديث . ولأبي داود والنسائي في الكبرى ، وابن حبان ، والحاكم وصححه من حديث عبد اللّه بن عمرو : « إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح أمرهم بالبخل وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور ففجروا » انتهى .