الثالث : أن يعرف ما في القناعة من عز الاستغناء ، وما في الحرص والطمع من الذل ، فإذا تحقق عنده ذلك انبعثت رغبته إلى القناعة لأنه في الحرص لا يخلو من تعب ، وفي الطمع لا يخلو من ذل . وليس في القناعة إلا ألم الصبر عن الشهوات والفضول . وهذا ألم لا يطلع عليه أحد إلا اللّه وفيه ثواب الآخرة . وذلك مما يضاف إليه نظر الناس وفيه الوبال والمأثم ، ثم يفوته عز النفس والقدرة على متابعة الحق فإن من كثر طمعه وحرصه كثرت حاجته إلى الناس فلا يمكنه دعوتهم إلى الحق ويلزمه المداهنة ، وذلك يهلك دينه ، ومن لا يؤثر عز النفس على شهوة البطن فهو ركيك العقل ناقص الإيمان . قال صلّى اللّه عليه وسلم :
« عز المؤمن استغناؤه عن الناس » . ففي القناعة الحرية والعز . ولذلك قيل : استغن عمن
شرح
( الثالث : أن يعرف ما في القناعة من عز الاستغناء ) عن الناس ، ( وما في الطمع والحرص من الذل ) لهم ، ( فإذا تحقق عنده ذلك انبعثت رغبته إلى القناعة ) واختارها ( لأنه في الحرص لا يخلو من تعب وفي الطمع لا يخلو من ذل ) لأن الحريض دائما تعبان والطماع دائما ذليل ، ( وليس في القناعة إلا ألم الصبر عن الشهوات ) الفانية ( والفضول ) الزائلة ، ( وهذا ألم لا يطلع عليه أحد ) من الناس ( إلا اللّه وفيه ثواب الآخرة ، وذلك مما يضاف إليه نظر الناس وفيه الوبال والمأثم ، ثم يقويه عن النفس والقدرة على متابعة الحق ، فإن من كثر طمعه وحرصه كثرت حاجته إلى الناس فلا يمكنه دعوتهم إلى الحق ويلزمه المداهنة ) في القول والفعل ، ( وذلك يهلك دينه ، ومن لا يؤثر عز النفس على شهوة البطن فهو ركيك العقل ) أي ضعيفه ( ناقص الإيمان ) مبخوس الحظ . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « عز المؤمن استغناؤه عن الناس » ) قال العراقي : رواه الطبراني في الأوسط ، والحاكم وصحح اسناده ، وأبو الشيخ في كتاب الثواب ، وأبو نعيم في الحلية من حديث سهل بن سعد أن جبريل قاله للنبي صلّى اللّه عليه وسلم في أثناء حديث ، وفيه زافر بن سليمان ، عن محمد بن عيينة . وكلاهما مختلف فيه ، وجعله القضاعي في مسند الشهاب من قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم انتهى .
قلت : رواه الطبراني في الأوسط ، وأبو نعيم في الحلية من طريق محمد بن حميد ، والقضاعي من طريق عبد الصمد بن موسى القطان ، وابن حميد أيضا ، والشيرازي في الألقاب من طريق إسماعيل بن تومة . ثلاثتهم عن زافر بن سليمان ، عن محمد بن عيينة ، عن أبي حازم ، عن سهل بن سعد قال :
جاء جبريل النبي صلّى اللّه عليه وسلم . ولفظ الحلية أتاني جبريل فقال : « يا محمد عش ما شئت فإنك ميت واعمل ما شئت فإنك مجزى به واحبب من شئت فإنك مفارقه ، وأعلم أن شرف المؤمن قيام الليل وعزه استغناؤه عن الناس » . وزافر بن سليمان من رجال الترمذي ، وابن ماجة وثقه جماعة . وقال ابن عدي : لا يتابع على حديثه ، وشيخه محمد بن عيينة أخو سفيان . قال أبو حاتم : لا يحتج به له مناكير ، وقد صحح الحاكم إسناده لا سيما وفي الباب عن أبي هريرة ، وابن عباس .