تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 714

مساهمون:

ص٧١٤
وقال سفيان : اتق اللّه فما رأيت تقيا محتاجا أي لا يترك التقى فاقدا لضرورته ، بل يلقي
شرح
اللّه كل مؤنة ورزقه من حيث لا يحتسب ، ومن انقطع إلى الدنيا وكله اللّه إليها » والرزق إذا جاء من حيث لا يحتسب كان آمنا . فالمؤمن من الكامل يشهد الرزق بيد الرازق يخرج من مشيئة الغيب فيجريه بالأسباب ، فإذا شهد ذلك كان قلبه مراقبا لما يصنع مولاه وعينه ناظرة لمختاره له معرضة عن النظر للأسباب ، فالساقط عن قلبه محبة الرزق من أين وكيف ومتى بحيث لا يتهم ربه في قضائه يؤتي رزقه صفوا عفوا ، والمتعلق بالأسباب قلبه جوّال فإن لم يدركه لطف فهو كالهمج في المزابل يطير من مزبلة إلى مزبلة حتى يجمع أوساخ الدنيا ثم يتركها وراء ظهره ويلقي اللّه بإيمان سقيم وينادي عليه هذا جزاء من أعرض عن اللّه واتهم مولاه فلم يرض بضمانه . قال العراقي : رواه ابن حبان في الضعفاء من حديث علي بإسناد واه ، ورواه ابن الجوزي في الموضوعات انتهى . قلت : ورواه الديلمي من طريق عمر بن راشد ، عن عبد الرحمن بن حرملة ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رفعه بهذا إلا أنه قال : « من حيث لا يعلم » وابن راشد ضعيف جدا . ورواه القضاعي في مسنده من طريقه فقال : حدثنا مالك بن أنس ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جده قال : اجتمع أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح فتماروا في شيء فقال لهم علي : انطلقوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما وقفوا عليه قالوا : يا رسول اللّه جئنا نسألك عن شيء ؟ فقال : « إن شئتم ، فاسألوا إن شئتم خبرتكم بما جئتم له . فقال لهم : جئتم تسألوني عن الرزق من أين يأتي ، وكيف يأتي أبى اللّه » . وذكره وهو أيضا ضعيف . قال السخاوي : لكن معناه صحيح ففي التنزيلوَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ *الآية . وأما لفظ ابن حبان في الضعفاء ، فهو ما أخرجه العسكري في الأمثال ، والبيهقي في الشعب من طريق عثمان بن عمر بن خالد بن الزبير ، عن أبيه ، عن علي بن الحسين ، عن أبيه عن علي مرفوعا : « إنما تكون الصنيعة إلى ذي دين أو حسب وجهاد الضعفاء الحج وجهاد المرأة حسن التبعل لزوجها والتودد نصف الإيمان وما عال امرؤ على اقتصاد واستنزلوا الرزق بالصدقة وأبى اللّه إلا أن يجعل أرزاق عباده المؤمنين من حيث لا يحتسبون » . وهذا السياق هو الذي عناه ابن الجوزي وحكم عليه بالوضع ، وقد نوزع فيه . والصحيح ما قاله البيهقي فإنه ذكر بعد أن أخرجه في الشعب هذا حديث لا أحفظه على هذا الوجه إلا بهذا الإسناد وهو ضعيف بمرة ، وإن صح فمعناه : أبى اللّه أن . يجعل جميع أرزاقهم من حيث يحتسبون ، كالتاجر يرزقه من تجارته ، والحراث من حراثته وغير ذلك ، وقد يرزقهم من حيث لا يحتسبون كالرجل يصيب معدنا أو ركازا ، أو يموت له قريب فيرثه أو يعطي من غير إشراف نفس ولا سؤال . ونحن لم نقل أن اللّه تعالى لا يرزق أحدا إلا بجهد وسعي ، وإنما قلنا أنه بين لخلقه وعباده طرقا جعلها أسبابا لهم إلى ما يريدون ، فالأولى بهم أن يسلكوها متوكلين على اللّه في بلوغ ما يؤملونه دون أن يعرضوا عنها ويجردوا التوكل عنها وليس في شيء من هذه الأحاديث ما يفسد قولنا . ( وقال سفيان ) الثوري رحمه اللّه تعالى : ( اتق اللّه فما رأيت تقيا محتاجا ) أخرجه صاحب
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 714 | مرتضى الزبيدي