سرافا أن يأكل كل ما يشتهيه ، ويفعل كل ما يهواه فينبغي أن لا يواظب على أكل اللحم وقال علي كرم اللّه وجهه : من ترك اللحم أربعين يوما ساء خلقه ومن داوم عليه أربعين يوما قسا قلبه وقيل : إن للمداومة على اللحم ضراوة كضراوة الخمر . ومهما كان جائعا وتاقت نفسه إلى الجماع فلا ينبغي أن يأكل ويجامع ، فيعطي نفسه شهوتين فتقوى عليه ، وربما طلبت النفس الأكل لينشط في الجماع ويستحب أن لا ينام على الشبع فيجمع بين غفلتين فيعتاد الفتور ويقسو قلبه لذلك ولكن ليصل أو يجلس فيذكر اللّه تعالى فإنه أقرب إلى الشكر . وفي الحديث : « أذيبوا طعامكم بالذكر والصلاة ولا تناموا عليه
شرح
يأكل من كل ما يشتهيه ويفعل كل ما يهواه ) فقد روى ابن ماجة وابن أبي الدنيا في كتاب الجوع ، والبيهقي في الشعب من حديث أنس أن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت ، وفي لفظ « إن من الإسراف » وسنده ضعيف فيه بقية ، وحاله معروف . عن يوسف بن أبي كثير ضعيف ، عن نوح بن ذكوان منكر الحديث ، عن الحسن عن أنس . ولذا أورده ابن الجوزي في الموضوعات وتعقب بأن له شواهد بعضها أمثل من بعض ، وبعضها حسن ، وبعضها من تصحيح الحاكم فالسرف على كل حال في الأكل ، والفعل مذموم ، ومن أسرف في ماله أسرف في دينه ومن فعل ذلك خالف طريق السلف ، ( فينبغي ) للمتقشف من المريدين ( أن لا يواظب على أكل اللحم ) أو الدسم بل يقتصر عليهما في الشهر مرتين ، فإن أكله أربعا فلا بأس به قد كان السلف يفعلون كذلك ، كذا في القوت . ( قال علي كرّم اللّه وجهه « من ترك اللحم أربعين يوما ساء خلقه ومن داوم عليه أربعين يوما قسا قلبه » ) كذا في القوت ، ( وإن المداومة على اللحم لها ضراوة ) أي لهج بالانسان ( كضراوة الخمر ) فإن من ضري بها لا يقدر على تركها إلا بمشقة ، فكذلك اللحم فينبغي لأجل ذلك عدم الملازمة عليه لئلا تعتاده النفس فيكون فطمها صعبا ، ونظر إلى أن ترك اللحم مما يسيء الخلق ويخل بجوهر العقل . كان سهل التستري رحمه اللّه تعالى يقول للمتقللين من أهل عبادان : احفظوا عقولكم وتعاهدوها بالأدهان والدسم فإنه ما كان ولي للّه ناقص العقل .
( ومهما كان ) المريد ( جائعا وتاقت نفسه إلى الجماع فلا ينبغي أن يأكل ويجامع فيعطي نفسه شهوتين ) ويجمع لها بين حظين ، بل يقتصر على الجماع دون الأكل وإذا جمع بينهما فهي تطلبهما فربما طلبت النفس الجماع للتعفف وهي تريد الأكل ، ( وربما طلبت النفس الأكل لتنشط في الجماع ) وفي الجمع بين شهوتين تقوية للنفس وإجراء عادة لها . ( ويستحب ) للمريد إذا أكل ( أن لا ينام على الشبع فيجمع بين غفلتين فيعتاد الفتور ) والكسل ( ويقسو قلبه لذلك ) و ( لكن ليصل أو يجلس يذكر اللّه تعالى ) بأي ذكر ألهمه اللّه تعالى في وقته ، ( فإنه أقرب إلى الشكر ) لنعمة اللّه عز وجل . ( وفي الحديث « اذيبوا طعامكم ) أي اهضموه ( بالصلاة والذكر ) وفي لفظ بذكر اللّه والصلاة ( ولا تناموا عليه ) قبل انهضامه عن أعالي المعدة