تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
فبقدر ما يستوفي العبد من شهوته يخشى أن يقال له يوم القيامة
أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها
[ الأحقاف : 20 ] وبقدر ما يجاهد نفسه ويترك شهوته يتمتع في الدار الآخرة بشهواته . قال بعض أهل البصرة : نازعتني نفسي خبز أرز وسمكا فمنعتها ، فقويت مطالبتها واشتدت مجاهدتي لها عشرين سنة ، فلما مات قال بعضهم : رأيته في المنام فقلت ما ذا فعل اللّه بك ؟ قال : لا أحسن أن أصف ما تلقاني به ربي من النعم والكرامات ، وكان أول شيء استقبلني به خبز أرز وسمكا . وقال كل اليوم شهوتك هنيئا بغير حساب . وقد قال تعالى :
كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ
[ الحاقة : 24 ] وكانوا قد
شرح
فإنه يخشى منه على المريد أن يتخذه عادة ولا يأمن من تألم قلبه وتوقان نفسه إليه ومنازعتها إياه ، لا سيما إذا كان مبتدئا في السلوك غرا لا يعرف خبء النفس ودواهيها ولا يفطن لمكرها وآفتها ، فإن ترك ذلك أفضل فليتركها حينئذ لأجل اللّه تعالى خوفا أن يشتهيه فيحرص على مثله ويدخل مداخل السوء من أجله ويبيع دينه فيه أو خشية تمكن العادة منه فتتعذر عليه التوبة لدخوله في الشبهات عند اعتياد الشهوات لأن العادة جند من جنود اللّه تعالى يقهر العلم لأجله تعذرت الاستقامة ، ولولا العادة لكنا تائبين ، ولولا الابتلاء لكان التائبون مستقيمين فليترك حينئذ أكل الطيبات إذا صارت شهوات وخشي منها مطالبة العادات ودواعي النفس بالآفات ، ناويا بذلك صلاح قلبه وتسكين نفسه ليملك بذلك نفسه قبل أن تملكه وتفطم عادتها قبل أن تهلكه ويغلب بالترك طبعه وهواه قبل أن يكونا بالشهوة يغلباه ، ( فبقدر ما يستوفي العبد من شهوته يخشى أن يقال يوم القيامةأَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهاوبقدر ما يجاهد نفسه ويترك شهوته يتمتع في الدار الآخرة بشهواته ) وقد كان هذا طريق طائفة من السلف إلى اللّه تعالى ، ثم انقرضوا فانمحى طريقهم وخلف من بعدهم خلف من العلماء اتبعوا الشهوات ولم يتغالوا في هذه المقامات ولا سلك بهم هذه الطرقات فلم يتكلموا في طرق الشهوات ، فلذلك درس هذا الطريق وعفا أثره لفقد سالكه وعدم كاشفه ، فمن عمل به وسلكه فقد أظهره ومن أظهره فقد أحيا أهله . ( قال ) صاحب القوت : حدثني ( بعض ) علمائنا عن بعض المريدين من ( أهل البصرة ) قال : ( نازعتني نفسي خبزا ) ولفظ القوت خبز أرز ( وسمكا فمنعتها فقويت مطالبتها واشتدت مجاهدتي ) لها ( عشرين سنة . قال : فلما مات رآه بعضهم في المنام قال ) ولفظ القوت قال : فمات فرأيته في النوم فقلت : ( ما ذا فعل اللّه بك ؟ فقال : لا أحسن أن أصف لك ما تلقاني به ربي من النعم والكرامات ) ولفظ لقوت من النعيم والكرامة ، ( وكان أول شيء استقبلني به خبز ) أرز ( وسمكا وقال : كل اليوم شهوتك هنيئا بغير حساب ) إلى هنا آخر القصة . ( وقد قال ) اللّه ( تعالى :كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ) أي الماضية
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 74 | مرتضى الزبيدي