وإلا أخذت من الخبز بقدر حاجتك : ومهما وجد طعاما لطيفا وغليظا فليقدم اللطيف فإنه لا يشتهي الغليظ بعده ، ولو قدم الغليظ لأكل اللطيف أيضا للطافته . وكان بعضهم يقول لأصحابه : لا تأكلوا الشهوات فإن أكلتموها فلا تطلبوها فإن طلبتموها فلا تحبوها ، وطلب بعض أنواع الخبز شهوة . قال عبد اللّه بن عمر رحمة اللّه عليهما : ما تأتينا من العراق فاكهة أحب إلينا من الخبز فرأى ذلك الخبز فاكهة .
وعلى الجملة : لا سبيل إلى اهمال النفس في الشهوات في المباحات واتباعها بكل حال
شرح
شيخ صاحب القوت رحمهما اللّه تعالى ( وفي يده خبز وتمر فقال له : ابدا بالتمر فإن قامت كفايتك به وإلا أخذت من الخبز بعده حاجتك ) وقال : ان التمر مبارك والخبز مشؤم يعني انه كان سبب إخراج آدم عليه السلام من الجنة ، وأما بركة التمر فإن اللّه تعالى ضرب النخلة مثلا لكلمة التوحيد في قوله :أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ[ إبراهيم :
24 ] وهي النخلة وليس في الثمار أحلى من الرطب ، ولذلك شبه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المؤمن في حلاوته ولينه وقوّته وثبات أصله بالنخلة . فقال : لا يسقط ورقها مثلها كمثل المؤمن يقول سهل رحمه اللّه تعالى : إذا استغنيت عن الخبز بغيره من الطعم كان خيرا لك يريد أن لا تقف نفسك مع عادة فتنازعك إليها . نقله صاحب القوت . قال : وقد ذكرت هذه الحكاية لأبي بكر الجلاء فأعجبته وقال : هذا كلام الحكماء وكان ذلك يلائم حاله ، ( ومهما وجد ) المريد ( طعاما ) ذو لونين ( لطيفا وغليظا ) بالإضافة إلى أحدهما ( فليقدم اللطيف فلعل كفايته تتم به ) فإنه لا يشتهي الغليظ بعده فيستريح منه ، ( ولو قدم الغليظ لأكل اللطيف أيضا للطافته ) فإنما قدم أهل الدنيا غليظ الألوان على الرقيق ليتسعوا في الأكل وتتفتق شهواتهم فيكون لكل لون لطيف مكان آخر ، وشبه بعضهم المعدة بمنزلة جراب ملآنة جوزا حتى لم يبق فيه فضل للجوز فجئت بسمسم فصببته عليه ، فأخذ لنفسه موضعا في خلال الجوز فوسع الجراب السمسم للطفه مع الجوز ، فكذلك المعدة إذا ألقيت فيها طعاما رقيقا لطيفا بعد طعام خشن غليظ أخذته الشهوات في أماكنها فتمكن فيها بعد الشبع مما قبله ، والعرب تعيب ذلك ولا تفعله إذ من سنتها أن تبتدىء باللحم قبل الثريد . قال رجل من العرب لبعض الأنباط : أنت من الذي يبتدئون بالثريد قال الشواء فذمّ أهل العراق بذلك هذا إذا استوى اللونان في الحكم ولم يكن للمريد في ترك الأفضل منهما نية فأما إن كان ترك الشهوات قد قدمت إليه وكان على عقد نية وقوّة عزمه فلا بأس بأكل الأدون ( وكان بعضهم يقول لأصحابه : لا تأكلوا الشهوات فإن أكلتموها فلا تطلبوها فإن طلبتموها فلا تجبوها ) نقله صاحب القوت ، ( وطلب بعض أنواع الخبز شهوة ) حتى قال بعضهم : الخبز من أكبر الشهوات . ( قال عبد اللّه بن عمر ) رضي اللّه عنهما : ( ما تأتينا من العراق فاكهة أحب إلينا من الخبز ) رواه صاحب القوت ، ( فرأى ذلك الخبز ) المخصوص ( فاكهة ) بالإضافة إلى غيره .
( وعلى الجملة لا سبيل إلى إهمال النفس في الشهوات في المباحات واتباعها بكل حال )