تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 707

مساهمون:

ص٧٠٧
فقلت له : من أين تأكل ؟ قال : من بيدر اللطيف الخبير الذي خلق الرحا يأتيها بالطحين - وأومأ بيده إلى رحا أضراسه - فسبحان القدير الخبير . بيان علاج الحرص والطمع والدواء الذي يكتسب به صفة القناعة : اعلم أن هذا الدواء مركب من ثلاثة أركان : الصبر والعلم والعمل ، ومجموع ذلك خمسة أمور . الأول : وهو العمل . الاقتصاد في المعيشة والرفق في الانفاق ، فمن أراد عز القناعة فينبغي أن يسد عن نفسه أبواب الخرج ما أمكنه ، ويرد نفسه إلى ما لا بدّ له منه ، فمن كثر خرجه واتسع انفاقه لم تمكنه القناعة ، بل إن كان وحده فينبغي أن يقنع بثوب واحد خشن ويقنع بأي طعام كان ، ويقلل من الأدام ما أمكنه ، ويوطن نفسه عليه وإن كان له عيال فيردّ كل واحد إلى هذا القدر ، فإن هذا القدر يتيسر بأدنى جهد . ويمكن معه الإجمال في الطلب والاقتصاد في المعيشة وهو الأصل في القناعة ، ونعنى به الرفق في الإنفاق وترك الخرق فيه . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يحب الرفق في الأمر كله » .
شرح
فقال : من بيدر اللطيف الخبير ) جل جلاله ( الذي خلق الرحا هو يأتيها بالطحين وأومأ بيده إلى رحا أضراسه ) أخرجه ابن أبي الدنيا .

بيان علاج الحرص والطمع والدواء الذي تكتسب به صفة القناعة :

( اعلم ) وفقك اللّه تعالى ( أن هذا الدواء مركب من ثلاثة أركان ) هي أساسه : ( الصبر والعلم والعمل ، ومجموع ذلك خمسة أمور ) . ( الأول : وهو العمل ) وذلك ( الاقتصاد في المعيشة ) أي الاعتدال فيها ( والرفق في الإنفاق ، فمن أراد عز القناعة فينبغي أن يسد على نفسه أبواب الخرج ) أي ما يصرف في اللوازم الضرورية ( ما أمكنه ، ويرد نفسه إلى ما لا بد منه ، فمن كثر خرجه واتسع إنفاقه لم تمكنه القناعة ، بل إن كان وحده فينبغي أن يقنع بثوب واحد خشن ) من قطن أو صوف ( ويقنع بأي طعام كان ، ويقلل من الأدام ما أمكنه ، ويوطن نفسه عليه ) تدريجا ( وإن كان له عيال فيرد كل وحد إلى هذا القدر ، فإن هذا القدر يتيسر بأدنى جهد ويمكن معه الإجمال في الطلب ) المأمور به في الخبر ، ( فالإقتصاد في المعيشة هو الأصل في القناعة ) ففي الخبر عن ابن عمر مرفوعا : « الإقتصاد في النفقة نصف المعيشة » رواه البيهقي ، والعسكري وابن السني ، والديلمي ، وعند الطبراني ، وابن لآل من حديث أنس : « الاقتصاد نصف العيش » . ( ونعني به الرفق في الإنفاق وترك الخرق فيه ) وهو سوء العمل . ( قال صلّى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يحب الرفق في الأمر كله ) أخرجه الشيخان من حديث عائشة وقد تقدم في كتاب ذم الغضب .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 707 | مرتضى الزبيدي