وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « منهومان لا يشبعان منهوم العلم ومنهوم المال » ، وقال صلّى اللّه عليه وسلم : « يهرم ابن آدم ويشب معه اثنتان : الأمل وحب المال » أو كما قال .
شرح
قلت : الجملة الأولى من الحديث قد رواها النسائي ، وابن حبان ، والطبراني في الأوسط ، والضياء من حديث أنس ، ورواه أحمد ، والطبراني في الكبير من حديث أبي بكرة . ورواه البزار من حديث كعب بن مالك .
( وقال صلّى اللّه عليه وسلم « منهومان لا يشبعان منهوم العلم ومنهوم المال » ) النهمة : شدة الحرص على الشيء ، ومنه النهوم من الجوع كما في النهاية .
قال الطيبي : إن ذهب في الحديث إلى الأصل كان لا يشبعان استعارة لعدم انتهاء حرصهما ، وإن ذهب إلى الفرع يكون تشبيها جعل إفراد المنهوم ثلاثة : أحدها : المعروف وهو المنهوم من الجوع ، والآخران من العلم والدنيا وجعلهما أبلغ من المتعارف . ولعمري أنه كذلك . وإن كان المحمود منهما هو العلم ومن ثم أمر اللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلم بقوله :وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماًويعضده قول ابن مسعود عقبه : ولا يستويان . أما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان ، وأما صاحب العلم فيزداد من رضا الرحمن .
وقال الراغب : النهم بالعلم استعارة ، وهو أن يحمل على نفسه ما تقصر قواها عنه فينبت والمنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى . وقال الماوردي : في الحديث تنبيه أن العلم يقتضي مما بقي منه ويستدعي ما تأخر عنه ، وليس للراغب فيه قناعة ببعضه . قال العراقي : رواه الطبراني من حديث ابن مسعود بسند ضعيف انتهى .
قلت : لفظ الطبراني « منهومان لا يشبع طالبهما طالب علم وطالب الدنيا » ولفظه من حديث ابن عباس « منهومان لا يقضي واحد منهما نهمته منهوم في طلب العلم لا يقضي نهمته ومنهوم في طلب الدنيا لا يقضي نهمته » . وهكذا رواه أيضا ابن خيثمة في كتاب العلم ، وقد رواه ابن عدي ، والقضاعي من حديث حميد عن أنس بلفظ « منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا » قال ابن عدي : فيه محمد بن يزيد كان يسرق الحديث فيحدث بأشياء منكرة ، ومن ثم قال ابن الجوزي في العلل : حديث لا يصح ، وقد رواه كذلك البزار من حديث ابن عباس ، وفيه ليث بن أبي سليم ضعيف ، ورواه الحاكم من طريق قتادة عن أنس بلفظ « منهومان لا يشبعان منهوم في علم لا يشبع ومنهوم في دنيا لا يشبع » وقد رواه كذلك ابن عدي عن الحسن مرسلا .
( وقال صلّى اللّه عليه وسلم « يهرم ابن آدم ) أي يكبر ( وتشب ) وفي رواية تبقى ( منه ) خصلتان ( اثنتان ) استعارة يعني تستحكم الخصلتان في قلب الشيخ كاستحكام قوّة الشباب في شبابه .
( الأمل وحب المال » ) وفي نسخة وحب الدنيا . والرواية : الحرص وطول الأمل . وفي أخرى :
الحرص والأمل ، وفي أخرى : الحرص على المال والحرص على العمر ، وفي أخرى : حب الدنيا وطول الأمل . وكان المصنف راعى ذلك فتأدب وقال : ( - أو كما قال ) صلّى اللّه عليه وسلم . وإنما لم تكبر هاتان