بما بعد شهر . فإن تشوّق إلى الكثير أو طول أمله فاته عز القناعة وتدنس لا محالة بالطمع وذل الحرص ، وجره الحرص والطمع إلى مساوىء الأخلاق وارتكاب المنكرات الخارقة للمروءات ، وقد جبل الآدمي على الحرص والطمع وقلة القناعة . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم :
« لو كان لابن آدم وأديان من ذهب لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب اللّه على من تاب » ، وعن أبي واقد الليثي قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذا أوحى
شرح
تشوّق إلى الكثير أو طول الأمل فاته عز القناعة وقد انس « 1 » لا محالة بالطمع وذل الحرص ، وجره الحرص إلى مساوىء الأخلاق ) ومذامها ( وارتكاب المنكرات الخارقة للمروءات ) فيخرج عن حد الإنسانية ، ( وقل جبل الآدمي على الحرص والطمع وقلة القناعة ) إلا من وفقه اللّه تعالى وعصمه . ( قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « لو كان لابن آدم وأديان من ذهب ) وفي رواية : لو أن لابن آدم واديا مالا ، وفي أخرى من مال بدل من ذهب ، وفي أخرى من ذهب وفضة ( لابتغى ) أي طلب ( إليهما ثالثا ) عداه بأل لنضمن الابتغاء معنى الضم يعني لضمّ إليهما ثالثا ( ولا يملأ جوف ابن آدم ) وفي أخرى : نفس ابن آدم ، وفي أخرى ولا يسد بدل ولا يملأ ، وفي أخرى ولا يملأ عين ابن آدم ، وفي أخرى بطن بدل عين ، وليس المراد عضوا بعينه والغرض من العبارات كلها واحد ( إلا التراب ) أي لا يزال حريصا على الدنيا حتى يموت ويمتلئ جوفه من تراب قبره ، والمراد بابن آدم الجنس باعتبار طبعه ، وإلّا فكثير منهم يقنع بما أعطى ولا يطلب زيادة ، ولكن ذلك عارض له من الهداية إلى التوبة كما يومىء إليه قوله : ( ويتوب اللّه على من تاب » ) أي يقبل التوبة من الحرص المذموم ومن غيره ، أو تاب بمعنى وفق أي وفقه يعني جبل الآدمي على حب الحرص إلا من وفقه اللّه وعصمه ، فوضع يتوب موضع إلا من عصمه اللّه إشعارا بأن هذه الجبلة مذمومة جارية مجرى الذنب . وأن إزالتها ممكنة بالتوفيق . وفي ذكر ابن آدم دون الانسان إيماء إلى أنه خلق من تراب طبعه القبض واليبس وإزالته ممكنة بأن يمطر اللّه عليه من غمامة توفيقه . وهذا اللفظ أخرجه الطبراني في الكبير من حديث أبي بن كعب إلا أنه قال : « لو كان للإنسان وأديان من المال » وفيه « ثم يتوب » والباقي سواء .
ورواه الطيالسي ، وأحمد ، والدارمي ، والشيخان ، والترمذي وقال : حسن صحيح غريب ، وابن حبان من حديث أنس ورواه البخاري في التاريخ ، والبزار ، والروياني ، وأبو عوانة ، والضياء من حديث عبد اللّه بن بريدة عن أبيه رفعه ، ورواه أحمد والشيخان من حديث ابن عباس ، ورواه البخاري في الصحيح من حديث عبد اللّه بن الزبير ، ورواه الطبراني في الكبير ، والضياء من حديث سعد بن أبي وقاص . ورواه ابن ماجة من حديث أبي هريرة ولفظهم جميعا « لو كان لابن آدم واد من مال لابتغى إليه ثانيا ، ولو كان له وأديان لابتغى لهما ثالثا ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب اللّه على من تاب » .
هامش
( 1 ) في الإحياء : « وتدنس » بدلا من : « وقد أنس » .