تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 691

مساهمون:

ص٦٩١
غير حقه ، فقيل : إن وضعه في حقه ، فقال : يشغله إصلاحه عن اللّه تعالى ، وهذا هو الداء العضال . فإن أصل العبادات ومخها وسرها ذكر اللّه والتفكر في جلاله ، وذلك يستدعي قلبا فارغا وصاحب الضيعة يمسي ويصبح متفكرا في خصومة الفلاح ومحاسبته ، وفي خصومة الشركاء ومنازعتهم في الماء والحدود ، وخصومة أعوان السلطان في الخراج ، وخصومة الأجراء على التقصير في العمارة ، وخصومة الفلاحين في خيانتهم وسرقتهم . وصاحب التجارة يكون متفكرا في خيانة شريكه وانفراده بالربح وتقصيره في العمل وتضييعة للمال . وكذلك صاحب المواشي . وهكذا سائر أصناف الأموال وأبعدها عن كثرة الشغل : النقد المكنوز تحت الأرض ، ولا يزال الفكر مترددا فيما يصرف إليه وفي كيفية حفظه وفي الخوف مما يعثر عليه وفي دفع أطماع الناس عنه ، وأودية أفكار الدنيا لا
شرح
حله فقال يضعه في غير حقه ) وهي الثانية ، ( فقيل : إن وضعه في حقه فقال : يشغله إصلاحه عن اللّه تعالى ) وهي الثالثة . ( وهذا هو الداء العضال ) الذي أعيت عنه الأطباء ، ( فإن أصل العبادات ومخها وسرّها ) أي خلاصتها ( ذكر اللّه تعالى والتفكر في جلاله وعظمته وكبريائه ، وذلك يستدعي قلبا فارغا ) عن الشواغل الحسية والمعنوية والمشوّشات الخارجة والداخلة ، ( وصاحب ) المال بأنواعه لا يكاد يفارقه الشغل الظاهر والباطن ، فإنه إما ضيعة يستغلها وإما تجارة في أصناف الأمتعة أو غير ذلك ، فصاحب ( الضيعة ) له شواغل كثيرة ، فإنه ( يمسي ويصبح متفكرا في خصومة الفلاح ) الذي يتقيد بزراعة الأرض ( ومحاسبته ) على ما تخرجه الأرض من أصناف الحبوب ، ( و ) هذا إن لم يكن له شركاء في حصته فإن كانوا فلا يسلم أن يشتغل ( في خصومة الشركاء ومنازعتهم ) في المحاسبة ، وإلّا فمع جيرانه ينازعهم ( في ) قسمة ( الماء ) الذي يسقي به أرضه ، ( والحدود ) وكم من دماء تراق بي غير حق عند قسم الماء وتعيين الحدود ، ( و ) إن سلم من هذه الآفات فلا يكاد يسلم من ( خصومة أعوان السلطان في ) مطالبة ( الخراج ) فإنهم يطالبونه بأكثر مما هو لهم فتقع الخصومة ، ( و ) إن سلم منها لا يسلم من ( خصومة الأجراء على التقصير في العمارة ) للضيعة والقيام بأودها ، ( و ) هو مع ذلك لم يزل في ( خصومة الفلاحين في خيانتهم وسرقتهم ) . ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم « لا تتخذوا الضيعة فتحبوا الدنيا » . رواه ابن مسعود وقد تقدم قريبا في هذا حال صاحب الضيعة . ( و ) أما ( صاحب التجارة ) ؟ فإنه ( يكون متفكرا في خيانة شريكه وانفراده بالربح ) دونه ، ( وتقصيره في العمل وتضييعه للمال ) فمتى يفرغ قلبه ويصفو فكره في ذكر اللّه ومعرفته ، ( وكذلك صاحب المواشي ) المتخذة للتجارة فإنه كذلك في شغل شاغل . ( وهكذا سائر أصناف الأموال ) على تباينها ( وأبعدها عن كثرة الشغل النقد ) من العين والورق ( المكنوز تحت الأرض ) أو في الصناديق ، ( ولا يزال الفكر مترددا فيما يصرف إليه ) فتارة يقول : يشتري به عقارا أو ضيعة أو متاعا ، وتارة يقول : يشتري به رقيقا وملابس ، ( و ) يتردد أيضا ( في كيفية حفظه وفي