خادمان ولا خادم لهما ، ومرادان لغيرهما . ولا يرادان لذاتهما ؛ إذ النفس هي الجوهر النفيس ، المطلوب سعادتها ، وأنها تخدم العلم والمعرفة ومكارم الأخلاق لتحصيلها صفة في ذاتها ، والبدن يخدم النفس بواسطة الحواس والأعضاء ، والمطاعم والملابس تخدم البدن . وقد سبق أن المقصود من المطاعم إبقاء البدن . ومن المناكح إبقاء النسل ، ومن البدن تكميل النفس وتزكيتها وتزيينها بالعلم والخلق . ومن عرف هذا الترتيب فقد عرف قدر المال ووجه شرفه ، وإنه من حيث هو ضرورة المطاعم والملابس التي هي ضرورة بقاء البدن الذي هو ضرورة كمال النفس الذي هو خير ومن عرف فائدة الشيء وغايته ومقصده واستعمله لتلك الغاية متلفتا إليها غير ناس لها فقد أحسن وانتفع ، وكان ما حصل له الغرض محمودا في حقه ، فإذا المال آلة ووسيلة إلى مقصود صحيح ،
شرح
إن السري إذا سرى فبنفسه * وابن السريّ إذا سرى أسراهماوإذا علمت ذلك فالق سمعك إلى أن المال إذا اعتبر لكونه أحد أسباب الحياة الدنيوية فهو عظيم الخطر ، لأنك متى توهمته مرتفعا يعسر على الناس تزجية معاشهم ، وقد تقدم أن الناس يحتاج بعضهم إلى بعض ولا يمكنهم التعايش ما لم يتظاهروا ، وإذا اعتبر بسائر القنيات فهو صغير الخطر إذ هو أخس القنيات ، والقنيات ثلاث : نفسية وبدنية وخارجة ، والخارجة دونها . ( وأدناها أي الخارجات الناض المتعامل به وهو الدراهم والدنانير فإنهما خادمان ) غير مخدومين ، ( ومرادان لغيرهما ولا يرادان لذاتهما ) فإنا لو تصوّرنا ارتفاع الضرورات التي بها يستدفع لكانت هي والحصباء سواء وسائر القنيات خادم من وجه ومخدوم من وجه ، ( إذ النفس هي الجوهر الشريف المطلوب سعادتها وأنها تخدم العلم والمعرفة ومكارم الأخلاق لتحصيلها صفة في ذاتها ، والبدن يخدم النفس بواسطة الحواس والأعضاء والمطاعم ) والمشارب ، ( والملابس تخدم البدن ) والمآكل والملابس يخدمها المال ، فالمال من حقه أن يكون خادما لغيره من القنيات ، وأن لا يكون شيء من القنيات خادما وإن كان كثير من الناس يجهلهم يجعلون جاههم وأبدانهم ونفوسهم خدما لما لهم وعبيدا . ( وقد سبق أن المقصود من المطاعم إبقاء ) مسكة ( البدن ، ومن المناكح ) صورة ( إبقاء النسل ، ومن البدن تكميل ) هيئة ( النفس وتزكيتها وتزيينها بالعلم والخلق ) وإن كان جماله وسمنه وحسن حاله مرغوبا فيها إلا أن المقصود هو ما ذكره المصنف ، ( ومن عرف هذا الترتيب فقد عرف قدر المال ووجه شرفه ، وأنه من حيث هو ضرورة المطاعم والملابس التي هي ضرورة بقاء البدن الذي هو ضرورة كمال النفس الذي هو خير ) ، ولذلك جعل من الخيرات المتوسطة . ( ومن عرف فائدة الشيء وغايته ) التي ينتهي إليها ( ومقصده ) منه ( واستعمله لتلك الغاية ملتفتا إليها ) جاعلا تلك نصب عينيه ( غير ناس لها فقد أحسن ) في صنيعه ( وانتفع ) بعمله ، ( وكان ما حصل له الغرض ) الذي هو بصدده ( محمودا في حقه ، فإذا المال آلة ) لتحصيل الفضائل ( ووسيلة إلى مقصود صحيح ،