تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 679

مساهمون:

ص٦٧٩
كتاب الشكر من بيان الخيرات وتفصيل درجات النعم ، والقدر المقنع فيه هو أن مقصد الأكياس وأرباب البصائر سعادة الآخرة التي هي النعيم الدائم والملك المقيم . والقصد إلى هذا دأب الكرام والأكياس ، إذ قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : من أكرم الناس وأكيسهم ؟ فقال : « أكثرهم للموت ذكرا وأشدهم له استعدادا » . وهذه السعادة لا تنال إلا بثلاث وسائل في الدنيا وهي الفضائل النفسية ، كالعلم وحسن الخلق ، والفضائل البدنية : كالصحة والسلامة ، والفضائل الخارجة عن البدن : كالمال وسائر الأسباب . وأعلاها النفسية ، ثم البدنية ، ثم الخارجة .
شرح
في كتاب الشكر من بيان الخيرات وتفصيل درجات النعم ) وهي كثيرة غير محصاة على التفصيل ، كما قال تعالى :وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها[ النحل : 18 ] ولكنها بالإجمال على خمسة أنواع وهي : أخروية ونفسية وبدنية وخارجية وتوفيقية . ( والقدر المقنع فيه هو أن مقصد الأكياس ) أي العقلاء ( وأرباب البصائر ) أي المعارف الذوقية ( سعادة الآخرة ) وهي أعلى أنواع النعم الخمسة ( التي هي النعيم الدائم ) بلا زوال ( والملك المقيم ) بلا انتقال ، وإياها قصد بقوله تعالى :وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ[ هود : 108 ] الآية . وذلك هو الخير المحض والفضيلة الصرف وهو أربعة أشياء : بقاء بلا فناء ، وقدرة بلا عجز ، وعلم بلا جهل ، وغنى بلا فقر . ( والقصد إلى هذا دأب الكرام والأكياس . إذ قيل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : من أكرم الناس وأكيسهم ) أي من أفضلهم كرامة وأكثرهم كياسة ( فقال : « أكثرهم للموت ذكرا وأشدهم له استعدادا » ) قال العراقي : رواه ابن ماجة من حديث ابن عمر بلفظ : أي المرتبة أكيس ؟ ورواه ابن أبي الدنيا في الموت بلفظ المصنف وإسناده جيد . ( وهذه السعادة لا تنال إلا بثلاث وسائل في الدنيا وهي : الفضائل النفسية كالعلم وحسن الخلق ، والفضائل البدنية كالصحة والسلامة ، والفضائل الخارجة عن البدن كالمال وسائر الأسباب ) يعني أن سعادة الآخرة منوطة بتحصيل هذه الفضائل الثلاثة والسعي فيها واستعمالها ، كما قال تعالى :وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها[ الإسراء : 19 ] الآية . وأصول الفضائل النفسية أربعة : العقل وكماله العلم ، والعفة وكمالها الورع ، والشجاعة وكمالها المجاهدة ، والعدالة وكمالها الإنصاف . وهي المعبر عنها بالدين ويكمل ذلك بالفضائل البدنية وهي أربعة أشياء : الصحة والقوة والجمال وطول العمر ، وبالفضائل المطيفة بالإنسان وهي الخارجة عن البدن وهي أربعة أشياء : المال والأهل والعز وكرم العشيرة ، ولا سبيل إلى تحصيل ذلك إلا بتوفيق اللّه عز وجل ، وذلك بأربعة أشياء : هدايته ورشده وتسديد وتأييده ، فجميع ذلك خمسة أنواع هي عشرون من ضرب خمسة في أربعة ليس للإنسان مدخل في اكتسابها إلا فيما هو نفسي فقط ، والسعادة الحقيقية هي الخيرات الأخروية وما عداها فتسميته بذلك إما لكونه معاونا في بلوغ ذلك أو نافعا فيه ، فكل ما أعان على خير سعادة والأشياء التي هي معينة ونافعة في بلوغ السعادة الأخروية متفاوتة