فالخارجة أخسها والمال من جملة الخارجات ، وأدناها الدراهم والدنانير ، فإنهما
شرح
الأحوال . فمنها ما هو نافع في جميع الأحوال على كل وجه ، ومنها ما هو نافع في حال دون حال وعلى وجه دون وجه ، وربما يكون ضره أكثر من نفعه ، فحق الإنسان أن يعرفها بحقائقها حتى لا يقع عليها الخطأ في اختياره الوضيع على الرفيع ، وتقديمه الخسيس على النفيس .
إن قيل : ما الخير والسعادة والفضيلة والنافع ، وهل بين هذه الأربعة فرق ؟ قيل : أما الخير المطلق هو المختار من أجل نفسه والمختار غيره لأجله وهو الذي تشوفه كل عاقل . وأما السعادة المطلقة ، فحسن الحياة في الآخرة وهي الأربع التي تقدم ذكرها . وقد يقال لما يتوصل به إلى هذه السعادات الأربعة سعادة وهي الستة عشر المتقدمة ويضادها الشقاوة . وأما الفضيلة فاسم لم يحصل به الإنسان مزية على الغير وهو اسم لما يتوصل به إلى السعادة ويضادها الرذيلة . وأما النافع : فهو ما يعين على بلوغ الفضيلة والسعادة والخير وهو ضربان : ضروري وهو لا يكون الوصول إلى المطلوب الّا به كالعلم والعمل الصالح للمكلفين في البلوغ إلى النعيم الدائم ، وغير ضروري وهو الذي قد يسد غيره مسده كالسكنجبين في كونه نافعا في قمع الصفراء ، فأن ذلك قد يسد غيره مسده ، وكل نافع فقد يسمى فضيلة وسعادة وخيرا لكونه مبلغا إلى ذلك .
وقول المصنف : وهذه السعادة لا تنال الخ يشير به إلى أن بعض الفضائل محتاج إلى بعض إما حاجة ضرورية بحيث لو لم يوجد ذلك لم يصح وجود الآخر ، أو حاجة نافعة بحيث لو لم يوجد لاختل حال الآخر ، وذلك أن السعادة الحقيقية الأخروية لا سبيل إلى الوصول إليها إلا باكتساب الفضائل النفسية ، ولا سبيل إلى تحصيل هذه إلا بصحة البدن وقوته وأنه لا تغني الفضائل النفسية والبدنية عن الفضائل الخارجة فإنه إن أمكن أن يتصوّر حصولها لمن لا مال له ولا أهل ولا عشيرة فإنها لا تكمل إلا بها . ( وأعلاها ) أي تلك الفضائل ( النفسية ثم البدنية ثم الخارجة ) المطيفة بالإنسان .
( فالخارجة أخسها والمال من جملة الخارجات ) فصاحبه يتمكن من الفضائل إذا فقده مشكل بلوغها والفقير في تحري المكارم كساع إلى الهيجاء بغير سلاح ، أو كباز متصيد بلا جناح ، وللّه در من قال :فلا مجد في الدنيا لمن قلّ ماله * ولا مال في الدينا لمن قلّ مجدهومن جملة الخارجات الأهل فنعم العون على بلوغ السعادة . قال الشاعر :ألم تر أن جمع القوم يخشى * وأن حريم واحدهم مباحوالعّزفية يتأبّى عن حمل الذل ، ولا عزّ له لا يمكنه أن يذود عن حريمه وكرم العشيرة فإنه مخيلة لكرم الفرع ، وقال الشاعر :