تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 677

مساهمون:

ص٦٧٧
فأخرج أبو عبد ربه من ماله مائة ألف درهم . وقال يحيى بن معاذ : مصيبتان لم يسمع الأوّلون والآخرون بمثلهما للعبد في ماله عند موته ، قيل : وما هما ؟ قال : يؤخذ منه كله ويسأل عنه كله . بيان مدح المال والجمع بينه وبين الذم : اعلم أن اللّه تعالى قد سمى المال خيرا في مواضع من كتابه العزيز فقال جل وعز :
إِنْ تَرَكَ خَيْراً
[ البقرة : 180 ] الآية وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « نعم المال الصالح
شرح
من ماله مائة ألف درهم ) رواه أبو نعيم في الحلية من طريق سعيد بن عبد العزيز بلفظ : خرج من عشرة آلاف دينار أو من مائة ألف . ( وقال يحيى بن معاذ ) الرازي رحمه اللّه تعالى : ( مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون بمثلهما للعبد في ماله عند موته قيل : وما هما ؟ قال : يؤخذ منه كله ويسأل عنه كله ) نقله صاحب القوت . وكان عون بن عبد اللّه المسعودي أوصى بضيعة له تباع بعد موته ويتصدق بها ، فقيل له : تدع عيالك . فقال : أقدم هذا لنفسي وادخر اللّه لعيالي ، وجاءته مرة خمسون ألفا فقيل له : اعتقدها لولدك . قال : اعتقدها لنفسي واعتقد اللّه لولدي .

بيان مدح المال والجمع بينه وبين الذم :

( اعلم ) هداك اللّه تعالى ( أن اللّه تعالى قد سمى المال خيرا في مواضع من كتابه العزيز ) وبيانه : أن الخير لغة ضد الشر ، وهو ما يرغب فيه الكل كالعقل مثلا ، والعدل ، والفضل ، والشيء النافع . وقيل : الخير ضربان : خير مطلق وهو ما يكون مرغوبا فيه بكل حال وعند كل أحدكما وصف صلّى اللّه عليه وسلم به الجنة فقال : « لا خير بخير بعده النار ولا شر بشر بعده الجنة » وخير وشر مقيدان وهو أن خير الواحد شر لآخر كالمال الذي ربما يكون خيرا لزيد وشرا لعمرو ، ولذلك وصفه اللّه تعالى بالأمرين ( فقال ) في موضع : (إِنْ تَرَكَ خَيْراًالآية ) وتمام الآيةالْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَوقال في موضع آخر :أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ * نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ[ المؤمنون : 55 ، 56 ] فقوله :إِنْ تَرَكَ خَيْراًأي مالا . وقال بعض العلماء لا يقال للمال خير حتى يكون كثيرا ومن مكان طيب كما روي أن عليا رضي اللّه عنه دخل على مولى له فقال : ألا أوصي يا أمير المؤمنين . قال : لا لأن اللّه تعالى قال :إِنْ تَرَكَ خَيْراًوليس لك مال كثير ، وعلى هذا أيضا قوله تعالى :إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ[ العاديات : 8 ] أي لحب المال . وقال بعض العلماء : إنما سمي المال خيرا تنبيها على معنى لطيف ، وهو أن المال يحسن الوصية به ما كان مجموعا من وجه محمود ، وعلى ذلك أيضا قوله تعالى :وَماتنفقوا « 1 »مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ[ البقرة : 197 ] وقوله :فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً[ النور : 33 ] قيل : عني به مالا من جهتهم . قيل : إن علمتم إن اعتقدتم يعود عليكم وعليهم بنفع أي ثواب ، وكذلك قوله تعالى :لا
هامش
( 1 ) تصويب الآية : « وما تفعلوا من خير يعلمه اللّه » .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 677 | مرتضى الزبيدي