الأموال أعظم فتنها وأطم محنها ، وأعظم فتنة فيها أنه لا غنى لأحد عنها ، ثم إذا وجدت فلا سلامة منها ، فإن فقد المال حصل منه الفقر الذي يكاد أن يكون كفرا ، وإن وجد حصل منه الطغيان الذي لا تكون عاقبة أمره إلا خسرا . وبالجملة ، فهي لا تخلو من الفوائد والآفات ، وفوائدها من المنجيات ، وآفاتها من المهلكات ، وتمييز خيرها عن شرها من المعوصات التي لا يقوى عليها إلا ذوو البصائر في الدين من العلماء الراسخين دون المترسمين المغترين . وشرح ذلك مهم على الانفراد ، فإن ما ذكرناه في كتاب ذم الدنيا لم يكن نظرا في المال خاصة بل في الدنيا عامة ، إذ الدنيا تتناول كل حظ عاجل .
والمال بعض أجزاء الدنيا ، والجاه بعضها ، واتباع شهوة البطن والفرج بعضها ، وتشفي الغيظ بحكم الغضب والحسد بعضها ، والكبر وطلب العلو بعضها ، ولها أبعاض كثيرة ،
شرح
المتفرع منها والجمع شعب كغرفة وغرف ( واسعة الأرجاء والأكناف ) والأرجاء النواحي والأكناف الجوانب ، ( ولكن الأموال أعظم فتنها وأطم ) أي أعم ( محنها وأعظم فتنة فيها ) أي في الأموال ( أنه لا غنى عنها ) وللّه در المتنبي حيث قال :ومن نكد الدنيا على الحرّ أن يرى * عدوا له ما من صداقته بدّإن كان عنى بذلك المال فهو أحسن ما قيل فيه . ( ثم إذا وجدت فلا سلامة منها ) أي من شرورها ، ( فإن فقد المال ) وعدمه ( حصل منه الفقر الذي يكاد أن يكون كفرا ) كما ورد في الخبر : « كاد الفقر أن يكون كفرا » روي ذلك من حديث أنس مرفوعا ، ومن حديث الحسن مرسلا ، وقد تقدم . وأخرج أبو نعيم في الحلية في ترجمة عكرمة أن لقمان قال لابنه ، يا بني قد ذقت المرار فليس شيء أمرّ من الفقر ، ولذا استعاذ النبي صلّى اللّه عليه وسلم منه . ( وإن وجد حصل منه الطغيان الذي لا يكون عاقبة أمره إلا خسرا ) أي انتقاصا في رأس ماله .
( وبالجملة ، فهي لا تخلو من الفوائد والآفات ) باختلاف الحالات وفوائدها من المنجيات ، ( وآفاتها من المهلكات وتمييز خيرها من شرها من المعوصات ) أي من المشكلات يقال :
أعوص الأمر إذا أشكل فهمه . ( التي لا يقوي عليها إلا ذوو البصائر في الدين ) الذي كشف اللّه عن بصيرتهم وأنار بنور الهداية سريرتهم . أولئك ( من العلماء الراسخين ) أي المتمكنين في معارفهم ( دون المترسمين ) الذي يعرفون من العلوم رسومها ( المغترين ) لما هم فيه ، ( وشرح ذلك مهم على الانفراد ) أي الاستقلال فإن ما ذكرناه أولا ( في كتاب ذم الدنيا لم يكن نظرا في المال خاصة بل في الدنيا عامة ، والدنيا تتناول كل حظ عاجل ) من حظوظه ( والمال بعض أجزاء الدنيا والجاه بعضها ، واتباع شهوة البطن والفرج بعضها ، وتشفي الغيظ بحكم الغضب والحسد بعضها والكبر وطلب العلو بعضها ولها أبعاض كثيرة ) غير ما ذكر ،