ونسوا ما تراد له هذه الأمور الثلاثة والقدر الذي يكفي منها ، وانجرت بهم لأوائل أسبابها إلى أواخرها ، وتداعى بهم ذلك إلى مهاو لم يمكنهم الرقي منها فمن عرف وجه الحاجة إلى هذه الأسباب والأشغال وعرف غاية المقصود منها فلا يخوض في شغل وحرفة وعمل إلا وهو عالم بمقصوده وعالم بحظه ونصيبه منه ، وأن غاية مقصوده تعهد بدنه بالقوت والكسوة حتى لا يهلك وذلك إن سلك فيه سبيل التقليل اندفعت الأشغال عنه وفرغ القلب وغلب عليه ذكر الآخرة وانصرفت الهمة إلى الاستعداد له ، وإن تعدى به قدر الضرورة كثرت الأشغال وتداعى البعض إلى البعض وتسلسل إلى غير نهاية ، فتتشعب به الهموم ومن تشعبت به الهموم في أودية الدنيا فلا يبالي اللّه في أي واد أهلكه منها ، فهذا شأن المنهمكين في أشغال الدنيا . وتنبه لذلك طائفة فأعرضوا عن الدنيا فحسدهم الشيطان ولم يتركهم ، وأضلهم في الاعراض أيضا حتى انقسموا إلى طوائف .
فظنت طائفة أن الدنيا دار بلاء ومحنة والآخرة دار سعادة لكل من وصل إليها سواء
شرح
المستقيم ، ( وإنما جرهم إلى جميع ذلك حاجة المطعم والملبس والمسكن فنسوا ما تراد له هذه الأمور الثلاثة ، والقدر الذي يكفي منها وانجرت لهم أوائل أسبابها ) إلى آخرها وتداعى بهم إلى الوقوع في ( مهاوي ) أي وهدأن منخفضة ( لم يمكنهم الرقي ) أي الصعود والخلاص ( منها ، فمن عرف وجه الحاجة إلى هذه الأسباب والأشغال وعرف غاية المقصود منها فلا يخوض في شغل وحرفة وعمل ) منها ( إلا وهو عالم بمقصوده وعالم بحظه ونصيبه منه و ) عالم ( أن غاية مقصوده تعهد بدنه بالقوت ) الذي يتقوى به ، ( والكسوة ) التي يقي بها من الحر والبرد ( حتى لا يهلك ) جوعا وعريا . ( وذلك أن سلك فيه سبيل التقليل ) مقتصرا فيه على الكفاف ( اندفعت الأشغال ) جملة ( وفرغ القلب لمعرفة اللّه وغلب عليه ذكر الآخرة ) وما أعدّ اللّه له منها ، ( وانصرفت الهمة ) لا محالة ( إلى الاستعداد له ) أي لذكر الآخرة ، ( وإن تعدى به قدر الضرورة ) وتجاوز عنه ( كثرت الأشغال وتداعي البعض إلى البعض وتسلسل إلى غير نهاية ) ، فقد روى ابن ماجة والحكيم والشاشي والبيهقي في الشعب من حديث ابن مسعود « من جعل الهموم هما واحدا همّ المعاد كفاه اللّه سائر همومه . ( ومن تشعبت به الهموم في أودية الدنيا ) وأحوالها ( فلا يبالي اللّه في أي واد أهلكه منها » ) وفي لفظ : « لم يبال اللّه في أي أوديتها هلك » . ( فهذا شأن المنهمكين في أشغال الدنيا ) المكبين عليها . ( وتنبه لذلك طائفة من الناس فأعرضوا عن الدنيا فحسدهم الشيطان ) على ذلك ( ولم يتركهم ) من مكيدته ، ( وأضلهم في الاعراض أيضا حتى انقسموا إلى طوائف ) .
( فظننت طائفة ) منهم ( أن الدنيا دار بلاء ومحنة ) واختبار وعبر وشقاوة ، ( والآخرة دار سعادة لكل من وصل إليها ) بأي طريق كان ( سواء تعبد في الدنيا ) أو لم يتعبد ، فرأوا أن