وأصحابه ، وهو أن لا يترك الدنيا بالكلية ولا يقمع الشهوات بالكلية . أما الدنيا فيأخذ منها قدر الزاد . وأما الشهوات فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشرع والعقل . ولا يتبع كل شهوة ولا يترك كل شهوة ، بل يتبع العدل ولا يترك كل شيء من الدنيا ولا يطلب كل شيء من الدنيا بل يعلم مقصود كل ما خلق من الدنيا ويحفظه على حد مقصوده ، فيأخذ من القوت ما يقوي به البدن على العبادة ، ومن المسكن ما يحفظ عن اللصوص والحر والبرد ، ومن الكسوة كذلك حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن أقبل على اللّه تعالى بكنه همته واشتغل بالذكر والفكر طول العمر ، وبقي ملازما لسياسة الشهوات ومراقبا لها حتى لا يجاوز حدود الورع والتقوى ، ولا يعلم تفصيل ذلك إلا بالاقتداء بالفرقة الناجية هم الصحابة فإنه عليه الصلاة والسلام لما قال : « الناجي منها واحدة » قالوا : يا رسول اللّه ومن هم ؟ قال : « أهل السنة والجماعة » فقيل : ومن أهل السنة
شرح
الكرام رضوان اللّه عليهم ، ( وهو أن لا يترك الدنيا بالكلية ولا يقمع الشهوات بالكلية أما الدنيا فيأخذ منها قدر الزاد ) المبلغ له إلى الآخرة ، فقد ورد في الخبر : « وليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب » . ( وأما الشهوات فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشرع و ) انقياد ( العقل فلا يتبع كل شهوة ولا يترك كل شهوة بل يتبع ) طريق ( العدل ) والإقتصاد ( ولا يترك كل شيء من الدنيا ، ولا يطلب كل شيء من الدنيا بل يعلم مقصود كل ما خلق اللّه من الدنيا ويحفظه على حد مقصوده فيأخذ من القوت ما يقوي به البدن على العبادة ) وإليه الإشارة بقوله : « حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه » ( ومن المسكن ) ما لا بد منه وهو ( وما يحفظ عن ) تطرق ( اللصوص و ) يحميه ( عن ) نكاية ( الحر والبرد ، ومن الكسوة كذلك ) أي قدر ما يستر به عورته ويكون وقاية الحر والبرد ( حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن أقبل على اللّه بكنه الهمة ) أي خالصها ( واشتغل بالذكر والفكر ) والمراقبة ( طول العمر بقي ملازما لسياسة الشهوات ومراقبا لها ، حتى لا يجاوز حدود الورع والتقوى ) وإلى هذا الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلم :
« ليس خيركم من ترك هذه وأخذ هذه بل خيركم من أخذ من هذه لهذه » يعني الدنيا والآخرة .
وروى الخطيب والديلمي من حديث أنس : « خيركم من لم يترك آخرته لدنياه ولا دنياه لآخرته ولم يكن كلا على الناس » . ورواه ابن عساكر بلفظ : « ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه حتى يصيب منهما جميعا فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة ولا تكونوا كلا على الناس » . ( ولا يعلم تفصيل ذلك إلا بالاقتداء بالفرقة الناجية ) وقد اختلفوا في تعيين هذه الفرقة ، فكل يدعي حسن معتقده ويقول : هو من الفرقة الناجية ، وهو كما قال الشاعر :وكل يدعي وصلا بليلى * وليلى لا تقر لهم بذاك( و ) الصحيح أن الفرقة الناجية ( هم الصحابة ) رضوان اللّه عليهم ، ( فإنه صلّى اللّه عليه وسلم لما قال :
« الناجي منها واحدة » . قالوا : يا رسول اللّه ومن هم ؟ قال : « أهل السنة والجماعة » فقيل :