تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 656

مساهمون:

ص٦٥٦
وطووا بساط الشرع والأحكام ، وزعموا أن ذلك من صفاء توحيدهم حيث اعتقدوا أن اللّه مستغن عن عبادة العباد . وظن طائفة أن المقصود من العبادات المجاهدة حتى يصل العبد بها إلى معرفة اللّه تعالى ، فإذا حصلت المعرفة فقد وصل وبعد الوصول يستغني عن الوسيلة والحيلة ، فتركوا السعي والعبادة وزعموا أنه ارتفع محلهم في معرفة اللّه سبحانه عن أن يمتهنوا بالتكاليف ، وإنما التكليف على عوام الخلق . ووراء هذا مذاهب باطلة وضلالات هائلة يطول إحصاؤها إلى ما يبلغ نيفا وسبعين فرقة ، وإنما الناجي منها فرقة واحدة وهي السالكة ما كان عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم
شرح
عبادة متعبد ) وتمكن الشيطان منهم في هذا الفهم السخيف ( وقواه فيهم ، حتى انسلخوا فعادوا إلى الشهوات ) واللذات ( وسلكوا مسلك الإباحة ) في سائر ما يتناولونه ( وطووا بساط الشرع ) على غرته ( و ) أبطلوا مقتضيات ( الأحكام ، فزعموا أن ذلك من صفاء توحيدهم ) أي كلفوه ( حيث أنهم اعتقدوا ان اللّه مستغن عن عبادة العباد ) وهي دسيسة عظيمة هلك بها طوائف من المتصوفة لعدم اتقانهم في العلم ، وإنما معنى غناه عن وجل تنزهه عن العلاقة مع الأغيار في الذات والصفات . ( وظن طائفة أخرى أن المقصود من العبادات المجاهدة حتى يصل العبد بها إلى معرفة اللّه تعالى ) يتخلق بأخلاق اللّه تعالى ، ( فإذا حصلت المعرفة ) وحصل التخلق ( فقد وصل إلى المقصود إليهم وبعد الوصول ) إلى هذا المقام ( يستغني عن الوسيلة ) وأعمال الحيلة فتركوا السعي والعبادة ورفضوهما بالكلية . ( وزعموا أنهم ارتفع محلهم في معرفة اللّه تعالى من أن يمتهنوا ) أي يزلوا ( بالتكاليف ) الشرعية فهم خواص الخواص ، ( وإنما التكليف على عوام الخلق ) حتى سلبوا ذلك المقام وربما تعلقوا بقوله تعالى :وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُأي فإذا وصلت إلى مقام اليقين فقد سقطت عنك العبادة ، ومنهم من قال : سلمنا أن المراد باليقين الموت فنحن قد أمتنا نفوسنا بالكلية فارتفعت عنا تكاليف العبادة ، ومنهم من يعتمد ذلك فإذا دخل ضال مثله في سلكه فأمره أن يغسل ويكفن ويجهز تجهيز الموتى ثم يتقدم عليه فيصلي صلاة الجنازة ثم يقول له : قم فقد صرت في عداد الموتى وسقطت عنك التكاليف ، وكل ذلك تلبيس وضلال وشناعات ، وغالب الملاحدة على ذلك وبعض طوائف من جهلة الصوفية أعاذنا اللّه من أحوالهم . ( ووراء هذا ) الذي أوردناه ( مذاهب ) أخرى ( باطلة وضلالات هائلة ) لا طائل تحتها ( يطول احصاؤها إلى أن تبلغ نيفا وسبعين فرقة ) على ما أورده الشهرستاني في الملل والنحل وصاحب الشجرة وغيرهما ممن ألف في بيان الفرق الإسلامية وكلهم في النار ، ( وإنما الناجي منها فرقة واحدة ) بنص الخبر الآتي ( وهي السالكة ما كان عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه )