وطائفة أخرى زعموا أنهم تفطنوا لأمر وهو أنه ليس المقصود أن يشقى الإنسان بالعمل ولا يتنعم في الدنيا ، بل السعادة في أن يقضي وطره من شهوة الدنيا وهي شهوة البطن والفرج ، فهؤلاء نسوا أنفسهم وصرفوا هممهم إلى اتباع النسوان وجمع لذائذ الأطعمة يأكلون كما تأكل الأنعام ، ويظنون أنهم إذا نالوا ذلك فقد أدركوا غاية السعادة فشغلهم ذلك عن اللّه تعالى وعن اليوم الآخر .
وطائفة ظنوا أن السعادة في كثرة المال والاستغناء بكثرة الكنوز فأسهروا ليلهم واتعبوا نهارهم في الجمع فهم يتعبون في الأسفار طول الليل والنهار ويترددون في الأعمال الشاقة ويكتسبون ويجمعون ولا يأكلون إلا قدر الضرورة شحا وبخلا عليها أن تنقص ، وهذه لذتهم ، وفي ذلك دأبهم وحركتهم إلى أن يدركهم الموت فيبقى تحت الأرض أو يظفر به من يأكله في الشهوات واللذات ، فيكون للجامع تعبه ووباله وللآكل لذته ، ثم الذين يجمعون ينظرون إلى أمثال ذلك ولا يعتبرون .
شرح
( وطائفة أخرى زعموا أنهم تفطنوا لأمر وهو أنه ليس المقصود أن يشقى الإنسان بالعمل ولا يتنعم في الدنيا ، بل السعادة في أن يقضي وطره من شهوة الدنيا وهي شهوة البطن والفرج ) وهم غالب أهل هذا العصر قد قصر نظرهم على ذلك . ( فهؤلاء نسوا أنفسهم وصرفوا هممهم إلى اتباع النسوان ) بقصد نكاح وملك يمين ( وجمع لذائذ الأطعمة ) والأشربة فيرفقون فيها ويبالغون في استحسانها ( يأكلون كما تأكل الأنعام ، ويظنون أنهم إذا أدركوا ذلك فقد أدركوا غاية السعادات فشغلهم ذلك عن اللّه واليوم الآخر ) وتاهوا عن المقصود .
( وطائفة أخرى : ظنوا أن السعادة في كثرة المال والاستغناء بكثرة الكنوز ، فسهروا ليلهم واتعبوا نهارهم في الجمع ) من هنا ومن هنا ، ( فهم يتعبون في الأسفار ) والبراري والبحار ( طول الليل والنهار ، ويترددون في الأعمال الشاقة ويكتسبون ويجمعون ولا يأكلون إلا قدر الضرورة ) من غير توسع ( شحا وبخلا عليها أن تنقص وهذه لذتهم ، وفي ذلك دأبهم وحركتهم إلى أن يدركهم الموت فيبقى ) المال موقوفا ( تحت الأرض أو يظفر به من يأكله في الشهوات واللذات ) ويتوسع فيها ، ( فيكون للجامع تعبه ووباله ) إذ يحاسب به يوم القيامة ، وللآكل لذته وللّه در القائل :قد يجمع المال غير آكله * ويأكل المال غير من جمعه( ثم الذين يجمعون ) المال ( ينظرون إلى أمثال ذلك ) ممن جمع فلم يأكل وأكله غيره ، ( ولا يعتبرون ) ، وذلك من عمي بصائرهم .