تعبد في الدنيا أو لم يتعبد ، فرأوا أن الصواب في أن يقتلوا أنفسهم للخلاص من محنة الدنيا ، وإليه ذهب طوائف من العباد من أهل الهند فهم يتهجمون على النار ويقتلون أنفسهم بالإحراق ويظنون أن ذلك خلاص لهم من محن الدنيا .
وظنت طائفة أخرى أن القتل لا يخلص بل لا بد أوّلا من إماتة الصفات البشرية وقطعها عن النفس بالكلية ، وأن السعادة في قطع الشهوة والغضب ، ثم أقبلوا على المجاهدة وشددوا على أنفسهم حتى هلك بعضهم بشدة الرياضة وبعضهم فسد عقله وجن ، وبعضهم مرض وانسد عليه الطريق في العبادة ، وبعضهم عجز عن قمع الصفات بالكلية فظن أن ما كلفه الشرع محال وأن الشرع تلبيس لا أصل له فوقع في الإلحاد ، وظهر لبعضهم أن هذا التعب كله للّه وأن اللّه تعالى مستغن عن عبادة العباد لا ينقصه عصيان عاص ولا تزيده عبادة متعبد ، فعادوا إلى الشهوات وسلكوا مسلك الإباحة
شرح
الصواب في أن يقتلوا أنفسهم قتلا حقيقيا للخلاص من محنة الدنيا ) وبلائها وفتنتها ، فهم صدقوا في أول ظنهم وهو كون الدنيا دار محنة وبلاء ولكن أخطأوا في طريق الوصول إلى سعادة الآخرة .
( وإليه ذهب طوائف ) البراهمة المعروفة بالجركية ( من الهند فهم يتهجمون على النار يقتلون أنفسهم بالإحراق فيها ) كما نقل ذلك الشيخ الأكبر قدس سره في الفتوحات ، وأورده ابن بطوطة في رحلته ، ( ويظنون أن ذلك خلاص لهم من محن الدنيا ) وهو غاية الضلال والخسران ، وقد تمكن منهم الشيطان حتى سوّل لهم ذلك ، ولهذه الطائفة فضائح كثيرة من هذا الجنس ، ويدخل في هذا الجنس طوائف الدرزية الذين يرمون أنفسهم من شاهق الجبل بعد أن يأخذوا ديتهم ويسلمونها إلى أولادهم ، فيظنون أن الموت على هذا الوصف سعادة لهم ولأولادهم وهو عين الضلال .
( وظنت طائفة أخرى أن القتل لا يخلص ) من محن الدنيا ، ( بل لا بدّ أولا من إماتة الصفات البشرية ) المذمومة ( وقطعها عن النفس بالكلية ، وأن السعادة في قطع الشهوة والغضب ، ثم أقبلوا على المجاهدة ) الشديدة ( وشددوا على أنفسهم حتى هلك بعضهم بشدة الرياضة ) كما فعل ذلك في بعض أولياء العجم ، ( وبعضهم فسد عقله وجن ) كما وقع ذلك لبعض أهل عبادان ، وكان أبو سليمان الداراني رحمه اللّه تعالى ينكر عليهم ذلك ويقول : يا أهل عبادان احفظوا عقولكم ويقول : إن من ترك الرسم فسد دماغه وقد تقدم ذلك في كتاب رياضة النفس ، ( وبعضهم مرض ) وفتر عن العمل ( وأفسد عليه طريق العبادة ) ، وهذا يقع لكثير من المتريضين ، ( وبعضهم عجز عن قمع الصفات بالكلية فظن أن ما كلفه الشرع ) من قمعها ( محال ) ليس من الممكنات ( وأن الشرع تلبيس لا أصل له ) ويحمل ألفاظه على غير معانيه مما تنتجه أفكاره ( فوقع في ) عدة ( الإلحاد ) وخرج من ربقة الدين ، ( وظهر لبعضهم أن هذا التعب كله للّه وأن اللّه مستغن عن عبادة العباد لا ينقصه عصيان عاص ولا يزيده