الفكرة لأجل المعيشة . فهذه هي أشغال الخلق وأعمالهم التي أكبوا عليها وجرّهم إلى ذلك كله الحاجة إلى القوت والكسوة ولكنهم نسوا في أثناء ذلك أنفسهم ومقصودهم ومنقلبهم ومآبهم فتاهوا وضلوا ، وسبق إلى عقولهم الضعيفة بعد أن كدرتها زحمة الاشتغالات بالدنيا خيالات فاسدة ، فانقسمت مذاهبهم واختلفت آراؤهم على عدة أوجه .
فطائفة غلبهم الجهل والغفلة فلم تنفتح أعينهم للنظر إلى عاقبة أمورهم فقالوا :
المقصود أن نعيش أياما في الدنيا فنجتهد حتى نكسب القوت ثم نأكل حتى نقوى على الكسب ، ثم نكسب حتى نأكل فيأكلون ليكسبوا ثم يكسبون ليأكلوا ، وهذا مذهب الفلاحين والمحترفين ومن ليس له تنعم في الدنيا ولا قدم في الدين فإنه يتعب نهارا ليأكل ليلا ويأكل ليلا ليتعب نهارا ، وذلك كسير السواني فهو سفر لا ينقطع إلا بالموت .
شرح
يعمل عملا بقدر ما يتناوله منهم فإنه ظالم له قصدوا إفادته أو لم يقصدوا ، وكذلك من يدعي التصوف فيتعطل عن المكاسب ولا يكون له علم يؤخذ عنه ولا عمل صالح في الدين يقتدي به ، بل يجعل همه على غارب بطنه وفرجه ، فإنه يأخذ منافعهم ويضيق عليهم معاشهم ولا يرد إليهم نفعا ولا طائل في مثلهم إلا بأن يكدروا الماء ويغلوا الأسعار ، ولهذا كان عمر رضي اللّه عنه إذا نظر إلى ذي سيماء سأل أله حرفة ؟ فإذا قيل : لا . سقط من عينه . ومن الدلالة على قبح من هذا فعله أن اللّه تعالى ذم من يأكل مال نفسه إسرافا وبدارا فما حال من أكل مال غيره على ذلك ولا ينيلهم عوضا ولا يرد عليهم بدلا ؟ ( وكل ذلك استنبط بدقيق الفكر لأجل المعيشة . فهذه هي اشغال الخلق وأعمالهم التي أكبوا عليها ) ولازموها ( وجرهم إلى ذلك كله الحاجة إلى القوت والكسوة ، ولكن نسوا في أثناء ذلك أنفسهم ومقصودهم ) الذي خلقوا لأجله ( ومنقلبهم ومآبهم فضلوا وتاهوا ) في أودية الحيرة ، ( وسبق إلى عقولهم الضعيفة بعد أن كدرتها زحمة أشغال الدنيا خيالات فاسدة فانقسمت مذاهبهم ) وتنوّعت مشاربهم ، ( واختلفت آراؤهم على عدة أوجه ) .
( فطائفة ) منهم ( غلبهم الجهل والغفلة ، فلم تنفتح أعينهم للنظر إلى عاقبة أمرهم فقالوا : المقصود أن نعيش أياما في الدنيا فنجتهد حتى نكتسب القوت ) من حيث انفق ( ثم تأكل حتى نقوى على الكسب ، ثم نكتسب حتى نأكل فيأكلون ليكتسبوا ويكتسبون ليأكلوا ، وهذا مذهب الفلاحين ) وغالب أهل القرى ( والمحترفين ومن ليس له تنعم في الدنيا ولا قدم في الدين فإنه يتعب نهارا ليأكل ليلا ويأكل ليلا ليتعب نهارا ، وذلك كسير السواني ) التي تدور على المياه ( فهو سفر لا ينقطع إلا بالموت ) ولا ينجع في هؤلاء الوعظ لتنبيه التراكم الغفلة وهم كالبهائم يأكلون ويتعبون ويأكلون .