وأما المكدي ؛ فإنه إذا طلب ما سعى فيه غيره وقيل له اتعب واعمل كما عمل غيرك فما لك والباطلة فلا يعطي شيئا فافتقروا إلى حيلة في استخراج الأموال وتمهيد العذر لأنفسهم في البطالة فاحتالوا للتعلل بالعجز إما بالحقيقة كجماعة يعمون أولادهم وأنفسهم بالحيلة ليعذروا بالعمى فيعطون ، وإما بالتعامي والتفالج والتجانن والتمارض وإظهار ذلك بأنواع من الحيل مع بيان أن تلك محنة أصابت من غير استحقاق ، ليكون
شرح
( وأما المكدي ؛ فإنه إذا طلب ما سعى فيه غيره وقيل له اتعب واعمل فيه كما عمل غيرك فما لك وللبطالة فلا يعطي شيئا فافتقر إلى حيلة في استخراج الأموال وتمهيد العذر لأنفسهم في البطالة ، فاحتالوا للتعلل بالعجز إما بالحقيقة كجماعة يعمون أنفسهم وأولادهم بالحيله ليعذروا بالعمى فيعطون ) ولقد حكى لي من أثق به أنه رأى مكذبا في بلاد الروم مقطوعا يديه وهو قاعد على رأس السكة وهو يقول : أشتهي الرمان وقد فرش منديلا بين يديه والناس يرمون له من الدراهم فخالج في نفسه أن يطلع على كنه حقيقته ، فانتظره يوما من الأيام عند غروب الشمس وقد حاز ما في المنديل وقام فتبعه من بعد ، حتى إذا جاء في زقاق ضيق ونظر عن يمينه وشماله ولم ير أحدا فدق الباب وفتح له فدخل فاستعجل من ورائه فدق الباب واستأذن الدخول وقال : غريب يريد الإيواء ففتح له الباب ، فإذا في البيت جوار قد تلقينه وقال لهن : أكرمن هذا الضيف فإذا بيت وسيع وفراش فاخرة فأتوا بالطست والإبريق وغسلن الغبار عن وجهه وغيرن عليه الثياب الفاخرة غير ثياب الكدية وأتي بالطعام وأكل معه ثم استجر الحديث بأن قال له : ما بالك تفعل كذا وأنت بهذه الحالة ، فقال : يا فلان إني قد قطعت يدي اختيارا للكدية وما جمعت هذا الذي ترى إلا من الكدية وأحضر ولدا له صغيرا وقد قطع يديه كذلك ليعلمه الكدية وبات عنده تلك الليلة وأخذ جلية خبره ، فلما أصبح نزع تلك الثياب الفاخرة ولبس ثياب الكدية وخرج من منزله إلى ما كان عليه وهذا أغرب ما سمعت .
( وإما بالتعامي والتفالح والتجانن والتمارض ) أي ادعاء كل من ذلك وليس على الحقيقة ، ( وإظهار طلك بأنواع من الحيل ) بأن يربط على عينيه خرقة فيظهر أنه أعمى ، أو يظهر أنه لا يقدر على حركة يده فيربطها بالخرق ، أو أن به فالجا ، أو يظهر الخرق فيتكلم بكلام غير منتظم ، أو يدعي أمراضا كالبواسير والنواصير أو غير ذلك . وقد يربط بساقيه خرقا مدهونة بالزيت والقطران يدعي بذلك أن به جراحات . وللّه در أبي زيد السروجي حيث اعتذر عن التعارج فقال :تعارجت لا رغبة في العرج * ولكن لأقرع باب الفرج( مع بيان أن تلك محنة أصابت من غير استحقاق ليكون ذلك سببة الرحمة ) لحالهم والشفقة عليهم فيعطون وجماعة يدعون أنهم كانوا أهل صناعات نظرية فانقطعوا عنها بالعمى ،