تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 646

مساهمون:

ص٦٤٦
ولكن جعل اللّه تعالى في غفلتهم وجهلهم نظاما للبلاد ومصلحة للعباد ، بل جميع أمور الدنيا انتظمت بالغفلة وخسة الهمة . ولو عقل الناس وارتفعت هممهم لزهدوا في الدنيا ولو فعلوا ذلك لبطلت المعايش ، ولو بطلت لهلكوا ولهلك الزهاد أيضا . ثم هذه الأموال التي تنقل لا يقدر الإنسان على حملها فتحتاج إلى دواب تحملها ، وصاحب المال قد لا تكون له دابة فتحدث معاملة بينه وبين مالك الدابة تسمى الإجارة ، ويصير الكراء نوعا من الإكتساب أيضا ، ثم يحدث بسبب البياعات الحاجات إلى النقدين فإن من يريد أن يشتري طعاما بثوب فمن أين يدري المقدار الذي يساويه من الطعام كم هو ؟ والمعاملة تجري في أجناس مختلفة كما يباع ثوب بطعام وحيوان بثوب وهذه أمور لا تتناسب ، فلا بدّ من حاكم عدل يتوسط بين المتبايعين يعدل أحدهما بالآخر فيطلب ذلك العدل من أعيان الأموال ، ثم يحتاج إلى مال يطول بقاؤه لأن الحاجة إليه
شرح
من الانسانية بل من الحيوانية وصار من جنس الموتى ، فيمدحون السعي ويذمون التواني والكسل ويلهجون بقولهم : قد فاز باللذة الجسور . وقد قيل : إذا أردت أن لا تتعب فاتعب لئلا تتعب ، ( ولكن جعل اللّه في غفلتهم وجهلهم نظاما للبلاد ومصلحة للعباد ) ولولا حركتهم وسعيهم في تحصيل ما يتحملونه لتعطلت الأمور وقل المنتفع ، ( بل جميع أمور الدنيا انتظمت بالغفلة وخسة الهمة . ولو عقل الناس وارتفعت هممهم لزهدوا في الدنيا ) لحقارتها وخستها ( ولو فعلوا ذلك لبطلت المعايش ، ولو بطلت لهلكوا ولهلك الزهاد أيضا ) . وهنا نكتة لطيفة عن حكمة خفية ، وذلك أن اللّه تعالى بلطيف قدرته فرق همم الناس للصناعات المتفاوتة ويسرّ كلا لما خلق له وجعل آلاتهم الفكرية والبدنية مستعدة لها ، فجعل لمن قيضه لمراعاة العلم والمحافظ على الدين قلوبا صافية وعقولا بالمعارف لائقة وأمزجة لطيفة وأبدانا لينة مستصلحة . ومن قيضه لمراعاة المهن الدنيوية والمحافظة عليها كالزراعة والتجارة والبناءة جعل لهم قلوبا قاسية وعقولا كدة وأمزجة غليظة وأبدانا خشنة ، وكما أنه محال أن يصلح السمع للرؤية والبصر للسمع ، كذلك من المحال أن يكون من خلق للمهنة يصلح للحكمة ذلك تقدير العزيز العليم . ( ثم هذه الأموال التي تنقل لا يقدر الإنسان على حملها ) على ظهره ( فيحتاج إلى دواب تحملها ، وصاحب المال قد لا يملك الدابة فتحدث معاملة بينه وبين مالك الدابة تسمى الإجارة ) وقد تقدم الكلام عليها في كتاب الكسب . ( ويصير الكراء نوعا من الاكتساب أيضا ، ثم يحدث بسبب البياعات الحاجة إلى التقدير ) والتخمين ، ( فإن من يريد أن يشتري طعاما بثوب فمن أين يدري المقدار الذي يساويه من الطعام كم هو ؟ والمعاملة تجري في أجناس مختلفة كما يباع ثوب بطعام وحيوان بثوب ، وهذه أمور لا تتناسب فلا بدّ من حاكم عدل يتوسط بين المتبايعين يعدل أحدهما بالآخر ، فيطلب ذلك العدل من أعيان الأموال