تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 647

مساهمون:

ص٦٤٧
تدوم ، وأبقى الأموال المعادن فاتخذت النقود من الذهب والفضة والنحاس ، ثم مست الحاجة إلى الضرب والنقش والتقدير فمست الحاجة إلى دار الضرب والصيارفة . وهكذا تتداعى الأشغال والأعمال بعضها إلى بعض حتى انتهت إلى ما تراه . فهذه أشغال الخلق وهي معاشهم . وشيء من هذه الحرف لا يمكن مباشرته إلا بنوع تعلم وتعب في الابتداء . وفي الناس من يغفل عن ذلك في الصبا فلا يشتغل به أو يمنعه عنه مانع فيبقى عاجزا
شرح
ثم يحتاج إلى مال يطول بقاؤه ، لأن الحاجة إليه تدوم ، وأبقى الأموال المعادن ) المركوزة في الأرض ( فاتخذت النقود من الذهب والفضة والنحاس ) لأجل التعامل بها ، ( ثم مست الحاجة إلى الضرب والنقش والتقدير فحدثت الحاجة إلى ) اتخاذ ( دار الضرب ) واتخاذ السكة فيها احتاج العمال فيها إلى صنائع كثيرة تبلغ إلى السبعين . كل ذلك مما يحتاج لتهيئة آلاتها ، فالدينار لا يصلح للتعامل حتى يقع في يد اثني عشر صانعا ، والنقرة المضروبة تزيد على ذلك ( و ) بعد تمام الدينار والدرهم تحدث الحاجة ( إلى الصيارفة ) ليحرروهما وينقدوهما بالعيار الصحيح . ( وهكذا تتداعى الأشغال والأعمال بعضها إلى بعض حتى انتهت إلى ما تراه ) والأصل في هذا كله تيسير القوت والملبس والمسكن . ( فهذه أشغال الخلق وهي معايشهم ) ، ولكن ينبغي أن يعلم أن حصول الفقر وخوفه الناتجين للحرص هما الباعثان على الجد واحتمال الكد في منفعة الناس إما باختيار وإما باضطرار . ولهذا قيل : رب ساع لقاعد وهو أن يكون الناس لو كفى كل منهم أمره لأدى ذلك إلى فساد العالم من حيث أنه لم يكن أحد يعول لغيره مهنة ، وكان الواحد منهم يعجز عن القيام بمصالح نفسه كلها فيؤدي ذلك إلى فقر جميعهم . وقد قيل : قيام العالم بالفقر أكثر من قيامه بالغنى ، لأن الصناعات القائمة بالغنى ثلاث : الملك والتجارة والبناء ، وسائرها قائمة بالفقر . فلو لم يكن الفقر وخوفه فمن كان يتولى الحياكة والحجامة والدباغة والكناسة ، ومن كان ينقل البز والملابس من الشرق إلى الغرب ومن الجنوب إلى الشمال . هذا مع أن من الناس من لو كفى أمر دنياه لكان يوجد منه من البغي والفساد ما يؤدي إلى خراب البلاد وفساد العباد ، بل كان يوجد منه ما يؤدي إلى هلاك نفسه في أسرع مدة ، ومن تدبر صنع اللّه عز وجل لم تعرض له الشبهة التي تعرض لمن يقول : إذا كان اللّه غنيا جوادا واسعا فلم خص بعضهم بالغنى وجعل أكثرهم فقراء ؟ ومن حق الغني الذي يغني عباده والجواد الذي لا يعرف لجوده منتهى أن لا يخص بالعطية بعضا دون بعض ، وذلك أن الجواد الحق هو الذي يعطي كل أحد بقدر استحقاقه على وجه يعود لمصلحته ومصلحة غيره ، وقد فعل تعالى ذلك بالعباد ، ثم قال المصنف : ( وشيء من هذه الحرف ) والصناعات ( لا يمكن مباشرته إلا بنوع تعلم وتعب في الابتداء ) أي في أول عمره ، ففي الخبر « التعلم في الصغر كالنقش على الحجر والتعلم في الكبر كالنقش على الماء الجاري » . ( ومن الناس من يغفل عن ذلك في الصبا فلا يشتغل به أو يمنعه عنه مانع فيبقى ) في
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 647 | مرتضى الزبيدي