تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 636

مساهمون:

ص٦٣٦
الجمل إلا القدر الذي يقوى به على المشي فيتعهده وقلبه إلى الكعبة والحج ، وإنما يلتفت إلى الناقة بقدر الضرورة ، فكذلك البصير في سفر الآخرة لا يشتغل بتعهد البدن إلا بالضرورة كما لا يدخل بيت الماء إلا لضرورة ولا فرق بين إدخال الطعام في البطن وبين إخراجه من البطن في أن كل واحد منهما ضرورة البدن ، ومن همته ما يدخل بطنه فقيمته ما يخرج منها وأكثر ما شغل الناس عن اللّه تعالى هو البطن ، فإن القوت ضروري وأمر المسكن والملبس أهون ، ولو عرفوا سبب الحاجة إلى هذه الأمور واقتصروا عليه لم تستغرقهم أشغال الدنيا وإنما استغرقتهم لجهلهم بالدنيا وحكمتها وحظوظهم منها ولكنهم جهلوا وغفلوا وتتابعت أشغال الدنيا عليهم واتصل بعضها ببعض وتداعت إلى غير نهاية محدودة ، فتاهوا في كثرة الأشغال ونسوا مقاصدها . ونحن نذكر تفاصيل أشغال الدنيا وكيفية حدوث الحاجة إليها وكيفية غلط الناس في مقاصدها حتى تتضح لك أشغال الدنيا كيف صرفت الخلق عن اللّه تعالى وكيف أنستهم
شرح
فريسة للسباع ) تفرس ( هو وناقته ) ، أو نهبة للعربان يستفردونه فيأخذونه مع ناقته كالأسير إن لم يقتلوه . ( والحاج البصير العاقل لا يهمه من أمر الجمل إلا القدر الذي يقوى به على المشي فيتعهده ) ويصلح شأنه ( وقلبه إلى الكعبة والحج ، وإنا يلتفت إلى الناقة بقدر الضرورة ) والحاجة . ( وكذلك البصير في سفر الآخرة لا يشتغل بتعهد البدن إلا بالضرورة ) بل يتناول ما يتناوله تناول مفطر عالم بقذارة مآله ( كما لا يدخل بيت الماء إلا بالضرورة ولا فرق بين إدخال الطعام في البطن وبين إخراجه من البطن في أن كل واحد منهما ضرورة البدن ، ومن همته ما يدخل بطنه ) أي من شغل همته في إصلاح ما يدخل بطنه ( فقيمته ما يخرج من بطنه ) فاخسس بهذه اللقمة التي قيمتها ذلك فحقه أن يعلم أن نسبة الثمار والفواكه نسبة الجعل إلى الروث ، فلو نطق الشجر لقال لك : تأكل فضالتي كما يأكل الجعل فضالتك ، والخنزير إذا استطاب لفاظه الإنسان فما هو إلا كاستطابتها لفاظة الشجر ، وبهذا يعلم أن شرف المطعم والمشرب بالإضافة لا بإطلاق . ( وأكثر ما شغل الناس عن اللّه تعالى هو البطن ) ولذا قيل : إن البطن عدو الإنسان ، ( فإن القوت أمر ضروري ) فإنه لا قوام له في الدنيا إلا به ، ( وأمر المسكن والملبس أهون ) من أمر القوت ( ولو عرفوا سبب الحاجة إلى هذه الأمور واقتصروا عليه لم تستغرقهم أشغال الدنيا ) أي لم تستول عليهم ، ( وإنما استغرقتهم لجهلهم بالدنيا وحكمتها وحظوظهم منها ، ولكنهم جهلوا وغفلوا وتتابعت أشغال الدنيا عليهم واتصل بعضها ببعض فتداعت إلى غير نهاية محدودة ، فتاهوا في كثرة الأشغال ونسوا مقصودها ) . ( ونحن نذكر ) الآن ( تفاصيل أشغال الدنيا وكيفية حدوث الحاجة إليها وكيفية غلط الناس في مقاصدها حتى يتضح لك أن أشغال الدنيا كيف صرفت الخلق عن اللّه وكيف