تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 635

مساهمون:

ص٦٣٥
والسمعة وسوء الظن والمداهنة وحب الثناء وحب التكاثر والتفاخر ، وهذه هي الدنيا الباطنة . وأما الظاهرة فهي : الأعيان التي ذكرناها . العلاقة الثانية مع البدن ، وهو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان لتصلح لحظوظه وحظوظ غيره وهي جملة الصناعات والحرف التي الخلق مشغولون بها والخلق إنما نسوا أنفسهم ومآبهم ومنقلبهم بالدنيا لهاتين العلاقتين علاقة القلب بالحب وعلاقة البدن بالشغل . ولو عرف نفسه وعرف ربه وعرف حكمة الدنيا وسرها علم أن هذه الأعيان التي سميناها دنيا لم تخلق إلا لعلف الدابة التي يسير بها إلى اللّه تعالى . وأعني بالدابة البدن فإنه لا يبقى إلا بمطعم ومشرب وملبس ومسكن ، كما لا يبقى الجمل في طريق الحج إلا بعلف وماء وجلال . ومثال العبد في الدنيا في نسيانه نفسه ومقصده مثال الحاج الذي يقف في منازل الطريق ولا يزال يعلف الناقة ويتعهدها وينظفها ويكسوها ألوان الثياب ، ويحمل إليها أنواع الحشيش ويبرد لها الماء بالثلج حتى تفوته القافلة وهو غافل عن الحج وعن مرور القافلة وعن بقائه في البادية فريسة للسباع هو وناقته . والحاج البصير لا يهمه من أمر
شرح
والرياء والسمعة وسوء الظن والمداهنة وحب الثناء وحب التكاثر والتفاخر ، وهذه هي الدنيا الباطنة وأما الظاهرة فهي الأعيان التي ذكرناها . ( والعلاقة الثانية مع البدن ، وهو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان لتصلح لحظوظه وحظوظ غيره وهي جملة الصناعات والحرف ) بأنواعها ( التي الخلق مشغولون بها ) ملتفتون إليها ، ( والخلق إنما نسوا أنفسهم ومآبهم ومنقلبهم بالدنيا لهاتين العلاقتين علاقة القلب بالحب وعلاقة البدن بالشغل ، ولو عرف نفسه وعرف ربه وعرف حكمة الدنيا وسرها ) وإنها لماذا خلقت ولماذا خلق هو ( علم أن هذه الأعيان التي سميناها دنيا لم تخلق إلا لعلف الدابة التي يسير بها إلى اللّه تعالى . وأعنى بالدابة البدن فإنه ) أي البدن ( لا يبقى ) أي لا يوصف بالبقاء والمتعة ( إلا بمطعم ومشرب وملبس ومسكن ) وهي ضرورات في حفظ البدن ، ( كما لا يبقى الجمل في طريق الحج إلا بعلف وماء وجلال ) جمع جل بالضم وهو ما يقي ظهره لئلا ينقبه الرحل . ( ومثال العبد في الدنيا في نسيانه نفسه ومقصده ) الذي هو متوجه إليه ( مثال الحاج الذي يقف في منازل الطريق ولا يزال يعلف الناقة ويتعهدها ) بالخدمة ( وينظفها ويكسوها ألوان الثياب ) المزخرفة ، ( ويحمل إليها أنواع الحشيش ويبرد لها الماء بالثلج ) لم يزل مشغولا بذلك ( حتى تفوته القافلة وهو غافل عن الحج وعن مرور القافلة وعن بقائه في البادية