وقد عرفت مما سبق في بيان الدنيا ومن سيرة الأنبياء والأولياء أن حدّ الدنيا كل ما أظلته الخضراء وأقلته الغبراء إلا ما كان للّه عز وجل من ذلك ، وضد الدنيا الآخرة وهو كل ما أريد به اللّه تعالى مما يؤخذ بقدر الضرورة من الدنيا لأجل قوة طاعة اللّه وذلك ليس من الدنيا . ويتبين هذا بمثال : وهو أن الحاج إذا حلف أنه في طريق الحج لا يشتغل بغير الحج بل يتجرد له ثم اشتغل بحفظ الزاد وعلف الجمل وخرز الراوية وكل ما لا بدّ للحج منه لم يحنث في يمينه ولم يكن مشغولا بغير الحج ، فكذلك البدن مركب النفس تقطع به مسافة العمر ، فتعهد البدن بما تبقى به قوّته على سلوك الطريق بالعلم والعلم هو من الآخرة لا من الدنيا . نعم إذا قصد تلذذ البدن وتنعمه بشيء من هذه الأسباب كان منحرفا عن الآخرة ويخشى على قلبه القسوة . قال الطنافسي : كنت على باب بني شيبة في المسجد الحرام سبعة أيام طاويا فسمعت في الليلة الثامنة مناديا وأنابين اليقظة والنوم : ألا من أخذ من الدنيا أكثر مما يحتاج إليه أعمى اللّه عين قلبه . فهذا بيان حقيقة الدنيا في حقك . فاعلم ذلك ترشد إن شاء اللّه تعالى .
شرح
( وقد عرفت مما سبق في بيان الدنيا ومن سيرة الأنبياء والأولياء أن حد الدنيا كل ما أظلته الخضراء ) أي السماء سميت بها لخضرة لونها عند النظر إليها ( وأقتله ) أي حملته ( الغبراء ) أي الأرض سميت لاغبرارها ( إلا ما كان للّه عز وجل من ذلك ، وضد الدنيا الآخرة وهو كل ما أريد به اللّه تعالى مما يؤخذ بقدر الضرورة ) الحاقة ( من الدنيا لأجل قوة طاعة اللّه تعالى ) والتبلغ به إليها ، ( فذلك ليس من الدنيا ) أي ليس محسوبا منها .
( ويتبين هذا بمثال ) يذكر ( وهو أن الحاج إلى ) بيت اللّه الحرام ( إذا حلف أنه في طريق الحج لا يشتغل بغير أمور الحج بل يتجرد له ثم اشتغل بحفظ الزاد ) الذي يتقوت به ( وعلف الجمل ) الذي يركبه ( وخرز الراوية ) أي القربة التي يشرب منها ( وكل ما لا بد للحج منه لم يحنث في يمينه ولم يكن مشغولا بغير الحج ) فهو صادق في يمينه ، ( فكذلك البدن مركب النفس يقطع به مسافة العمر ) أي مدته ، ( فتعهد البدن ) أي محافظته ( لما يتقي به قوته على سلوك الطريق بالعلم والعمل هو من الآخرة لا من الدنيا . إذا قصد تلذذ البدن وتنعمه بشيء من هذه الأسباب كان منحرفا عن الآخرة ويخشى على قلبه ) إحداث ( القسوة ) فيه بسبب ركونه إلى ذلك مع قصد التنعم .
( قال الطنافسي ) وهو محمد بن عبيد بن أبي أمية الكوفي الأحدب الثقة ، مات سنة أربع ومائتين روى له الجماعة . ( كنت على باب بني شيبة في المسجد الحرام ) وهو أحد أبوابه المشهورة ( سبعة أيام طاويا ) على الجوع ، ( فسمعت الليلة الثامنة مناديا وأنا بين اليقظة والنوم : ألا من أخذ من الدنيا أكثر مما يحتاج إليه أعمى اللّه عين قلبه ) وقد ورد معنى ذلك