شرح
سياق صاحب القوت ، فإنه لما ذكر اختلاف الصوفية في ماهية الزهد وتباين أقوالهم عن نحو أربعين قولا قال : ونحن بحمد اللّه تعالى ونعمته غير محتاجين إلى أقوالهم بما بين اللّه تعالى في كتابه المبين الذي جعل فيه الشفاء والغنى فهو هدى للمتقين ، وقد قال صلّى اللّه عليه وسلم : « هو الحبل المتين والصراط المستقيم من طلب الهدى في غيره أضله اللّه » فقد ذكر جل اسمه في كتابه أن الدنيا سبعة أشياء وهو قوله :زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِإلى قولهوَالْحَرْثِثم قالذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيافوصف حب الشهوات بالتزين ، ثم نسق الأوصاف السبعة على الحب لها ، ثم أشار بقوله ذلك ، فذا إشارة إل الكاف ، والكاف كناية عن المذكور المتقدم المنسوق ، واللام بين ذا والكاف للتمكين والتوكيد ، فحصل من تدبر الخطاب أن هذه السبعة جملة الدنيا وأن الدنيا هي هذه الأوصاف السبعة وما تفرع من الشهوات رد إلى أصل من هذه الجمل ، فمن أحب جميعها فقد أحب جملة الدنيا نهاية الحب ، ومن أحب أصلا منها أو فرعا من أصل فقد أحب بعض الدنيا ، فعلمنا بنص الكلام أن الشهوة دنيا ، وفهمنا من دليله أن الحاجات ليست بدنيا لأنها تقع ضرورات ، فإذا لم تكن الحاجة دنيا لأنها لا تسمى شهوة ، وإن كانت قد تشتهي ، ثم سمعناه قد ردّ هذه الأوصاف السبعة في مكان آخر إلى خمسة معان فقال :اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌفهذه الخمسة وصف من أحب تلك السبعة ثم اختصر الخمسة في معنيين هما جامعان للسبعة فقال :أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌثم رد الوصفين إلى وصف واحد وعبر عنه بمعنيين فصارت الدنيا ترجع إلى شيئين جامعين مختصرين يصلح أن يكون كل واحد منهما هو الدنيا فالوصف الواحد الذي رد الاثنين إليه اللذين هما اللعب واللهو هو الهوى اندر حب السبعة فيه فقال تعالى :وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوىفاصرت الدنيا طاعة النفس للهوى بدليل قوله تعالى :فَأَمَّا مَنْ طَغى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى[ النازعات : 37 - 39 ] فلما كانت الجنة ضد الجحيم كان الهوى هو الدنيا ، لأن النهي عنه ضد الإيثار له ، فمن نهى نفسه عن الهوى فإنه لم يؤثر الدنيا ، وإذا لم يؤثر الدنيا فهذا هو الزهد كانت له الجنة التي هي ضد الجحيم التي هي لمن لم ينه نفسه عن الهوى بإيثاره الدنيا ، فصارت الدنيا هي طاعة الهوى وإيثاره في كل شيء ، فينبغي أن يكون الزهد مخالفة الهوى من كل شيء اه .
وقال أبو القاسم الراغب في الذريعة . اللذات ثلاثة : لذة عقلية وهي التي يختص الإنسان بها كالعلم والحكمة ، ولذة بدنية وهي التي يشارك فيها جميع الحيوان والإنسان كلذة المأكل والمشرب والمنكح ، ولذة مشتركة بين بعض الحيوان وبين الإنسان كلذة الرئاسة والعلية ، وجميع اللذات تنقسم عسرة أقسام ومآلها إلى سبعة ، وهي التي ذكرها أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه لعمار وقد تقدم ذكره . ثم قال :
والمراد بالنساء اقتناؤهن والاستكثار منهن ، وبالبنين الذكور من الأولاد والحفدة والخدم ، بالانعام الأزواج الثمانية ، وبالخيل المسوّمة السائمة منها والمستعدة . ( فقد عرفت أن كل ما هو صلّى اللّه عليه وسلم فليس من الدنيا وقدر ضرورة القوت وما لا بدّ منه من مسكن وملبس هو اللّه إن قصد به وجه اللّه ،