كان يظن أهله أنه مجنون لشدة تضييقه على نفسه ، فبنوا له بيتا على باب دارهم فكان يأتي عليهم السنة والسنتان والثلاث لا يرون له وجها ، وكان يخرج أوّل الأذان ويأتي إلى منزله بعد العشاء الآخرة ، وكان طعامه أن يلتقط النوى ، وكلما أصاب حشفة خبأها لإفطاره ، وإن لم يصب ما يقوته من الحشف باع النوى واشترى بثمنه ما يقوته ، وكان لباسه مما يلتقط من المزابل من قطع الأكسية فيغسلها في الفرات ويلفق بعضها إلى بعض ثم يلبسها ، فكان ذلك لباسه . وكان ربما مرّ بالصبيان فيرمونه ويظنون أنه مجنون فيقول لهم : يا اخوتاه إن كنتم ولا بدّ أن ترموني فارموني بأحجار صغار ، فإني أخاف أن تدموا عقبي فيحضر وقت الصلاة ولا أصيب الماء ، فهكذا كانت سيرته . ولقد عظم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أمره فقال : « إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن إشارة إليه رحمه اللّه » ولما
شرح
أن شهرته وشهرة أخباره لا تسع أحدا يشك فيه . وقال عبد الغني بن سعيد القرني بفتح القاف والراء هو أويس أخبر به النبي صلّى اللّه عليه وسلم قبل وجوده ، وشهد صفين مع علي رضي اللّه عنه ، وكان من خيار المسلمين ، وروى ضمرة عن أصبغ بن زيد قال : أسلم أويس على عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولكن منعه من القدوم بره ، وقد روى له مسلم في آخر صحيحه من كلامه ، وقتل بصفين على الصحيح المشهور . ( كان يظن أهله أنه مجنون لشدة تضييقه على نفسه ) أي في المعيشة ، ( فبنوا له بيتا على باب دارهم ، فكان يأتي عليهم السنة والسنتان والثلاث لا يرون له وجها ، وكان يخرج أول الأذان ) ويمكث في مسجد الحي ( و ) لا ( يأتي منزله ) إلا بعد ( العشاء الآخرة ) فلا يرونه لذلك ، ( وكان طعامه أن يلتقط ) ما سقط من ( النوى ، فكلما أصاب حشفة ) محركة التمر الرديء الذي يرمي به ( خبأها لإفطاره ، وإن لم يصب ما يقوته باع النوى اشترى بثمنه ما يقوته ، وكان لباسه ما يلتقظ من المزابل من قطع الأكسية ) التي يرمونها ( فيغسلها في الفرات ) وهي نهر الكوفة ( ويلفق بعضها إلى بعض ثم يلبسها ، فكان ذلك لباسه . وكان ربما مرّ بالصبيان فيرجمونه ) بالحجارة ( ويظنون أنه مجنون فيقول لهم : يا اخوتاه إن كنتم ترمونني ولا بدّ فارموني بأحجار صغار ، فإني أخاف أن تدموا عقبي فيحضر وقت الصلاة ولا أصيب الماء . فهكذا كانت سيرته ، ولهذا عظّم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أمره فقال : « إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن إشارة إليه » ) تقدم في كتاب قواعد العقائد .
وروى الطبراني في الكبير من حديث سلمة بن نفيل السكوني « إني أجد نفس الرحمن من ههنا وأشار إلى اليمن » الحديث وليس له غيره . وقد أخرج النسائي بقية الحديث ولم يذكر هذه الجملة ، وكذا ابن حبان في الأنواع والتقاسيم .
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبي نضرة عن أسير بن جابر بن ، عن عمر بن الخطاب قال :
سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « إن خير التابعين رجل يقال له أويس بن عامر » . وفي رواية له :