تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 624

مساهمون:

ص٦٢٤
فقد عرفت أن كل ما هو للّه فليس من الدنيا وقدر ضرورة القوت وما لا بدّ منه من مسكن وملبس هو للّه إن قصد به وجه اللّه ، والاستكثار منه تنعم وهو لغير اللّه . وبين التنعم والضرورة درجة يعبر عنها بالحاجة ولها طرفان وواسطة : طرف يقرب من حد الضرورة فلا يضر فإن الاقتصار على حد الضرورة غير ممكن ، وطرف يزاحم جانب التنعم ويقرب منه وينبغي أن يحذر منه ، وبينهما وسائط متشابهة ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه . والحزم في الحذر والتقوى والتقرب من حدّ الضرورة ما أمكن اقتداء بالأنبياء والأولياء عليهم السلام ، إذ كانوا يردون أنفسهم إلى حدّ الضرورة حتى أن أويسا القرني
شرح
والاستكثار منه تنعم وهو لغير اللّه ، وبين التنعم والضرورة درجة يعبر عنها بالحاجة ولها طرفان وواسطة . طرف ) منها ( يقرب من حد الضرورة فلا يضرّ فإن الاقتصار على حدّ الضرورة غير ممكن ) قال صاحب القوت : وروينا في أخبار إبراهيم عليه السلام في قصة تطول قال في آخرها : إن اللّه عز وجل قال له : لو بخليلك أنزلت حاجتك لقضاها يعني نفسه تعالى ولم يعنتك وقد كان احتاج ، فذهب إلى خليل له يستمنحه شيئا فتوارى عنه فرجع إبراهيم منكسرا ، فلما قيل له ذلك قال : إلهي علمت مقتك للدنيا فخفت أن أسألك منها فتمقتني فأوحى اللّه إليه : أما علمت أن الحاجة في الدنيا ليست من الدنيا . قال : وروينا مرة أن القوت ليس هو من الدنيا ، وقد جاءنا معناه عن نبينا صلّى اللّه عليه وسلم قال : « من نظر إلى زهرة الدنيا أصبح ممقوتا في ملكوت السماء ، ومن صبر على القوت نزل من الفردوس حيث أحب » فدل ذلك على أن القوت ليس هو من الدنيا لأنه استثناه منها فمدحه على الصبر عليه بعد ذمها . ( وطرف ) أخر ( يزاحم ) أي يقابل ( جانب التنعم ويقرب منه ، وينبغي أن يحذر منه ، وبينهما أوساط متشابهة . ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ) كما ورد ذلك في الخبر ، وتقدم في كتاب الحلال والحرام . ( والحزم كل الحزم في الحذر من الشبهات والتقوى فإنها ملاك الأمور كلها والتقريب من حدّ الضرورة ما أمكن اقتداء بالأنبياء والأولياء عليهم السلام إذ كانوا يردون أنفسهم إلى حدّ الضرورة ، حتى أن أويسا القرني ) رحمه اللّه تعالى ، وهو ابن عامر بن جزء بن مالك ابن عمرو بن سعد بن عمرو بن عصوان بن قرن بن رومان بن ناجية بن مراد المرادوي القرني الزاهد المشهور . أدرك النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وروى عن عمر وعلي . وروى عنه يسير بن عمرو وعبد الرحمن ابن أبي ليلى . ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الكوفة وقال : كان ثقة . وذكره البخاري فقال : في إسناده نظر . قال ابن عدي : ليس له رواية ، لكن كان مالك ينكر وجوده إلا