ليتوفر من الآخرة حظهم كما يمنع الوالد الشفيق ولده لذة الفواكه ويلزمه ألم الفصد والحجامة شفقة عليه وحبا له لا بخلا عليه ، وقد عرفت بهذا أن كل ما ليس للّه فهو من الدنيا وما هو للّه فذلك ليس من الدنيا .
فإن قلت : فما الذي هو للّه ؟ فأقول : الأشياء ثلاثة أقسام :
منها : ما لا يتصوّر أن يكون للّه وهو الذي يعبر عنه بالمعاصي والمحظورات وأنواع التنعمات في المباحات ، وهي الدنيا المحضة المذمومة فهي الدنيا صورة ومعنى .
ومنها : ما صورته للّه ويمكن أن يجعل لغير اللّه وهو ثلاثة : الفكر والذكر والكف عن الشهوات ، فإن هذه الثلاثة إذا جرت سرا ، ولم يكن عليها باعث سوى أمر اللّه واليوم الآخر فهي للّه وليست من الدنيا ، وإن كان الغرض من الفكر طلب العلم للتشرف به وطلب القبول بين الخلق بإظهار المعرفة أو كان الغرض من ترك الشهوة حفظ المال أو الحمية لصحة البدن أو الاشتهار بالزهد فقد صار هذا من الدنيا بالمعنى ، وإن كان يظن بصورته أنه للّه تعالى .
شرح
أبي سعيد « أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون لقد كان أحدهم يبتلي بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يحويها فيلبسها ، ويبتلي بالقمل حتى يقتله ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء » . ( كل ذلك نظرا لهم وامتنانا عليهم ليتوفر من الآخرة حظهم ، كما يمنع الوالد الشفيق ولذه لذة الفواكه ويلزم ألم الفصد والحجامة شفقة عليه وحبا له لا بخلا عليه ) ، وذلك لأن نظر الوالد في حقه أتم فيما يؤول إليه من النفع ونظر الولد قاصر على اللذة العاجلة .
( وقد عرفت بهذا أن كل ما ليس للّه فهو من الدنيا ، وما هو للّه فذلك ليس من الدنيا .
فان قلت : فما الذي هو للّه ؟ فأقول : الأشياء ثلاثة أقسام :
منها : ما لا يتصوّر أن يكون للّه وهو الذي يعبر عنه بالمعاصي والمحظورات وأنواع المتنعمات في المباحات وهي الدنيا المحضة المذمومة ، فهي الدنيا صورة ومعنى ) . أما صورة فظاهر ، وأما معنى فإن هذه لا يتقرّب بها إلى اللّه تعالى ، بل هي تبعد عن ساحات رحمته فليس لها تعلق بالآخرة أصلا .
( ومنها : ما صورته للّه ) تعالى ( ويمكن أن يجعل لغير اللّه وهي ثلاثة : الفكر والذكر ) بالقلب واللسان ( والكف عن الشهوات ) النفسانية ، ( فإن هذه الثلاث إذا جرت سرا ) ولم يطلع عليها أحد ( ولم يكن عليها باعث سوى أمر اللّه واليوم الآخر فهي للّه ) تعالى ( وليست من الدنيا ، وإن كان الغرض من الفكر طلب العلم للتشرف به وطلب القبول بين الخلق بإظهار المعرفة أو كان الغرض من ترك الشهوة حفظ المال ) وجمعه ( أو الحمية لصحة البدن ، أو لاشتهار ) بين الناس ( بالزهد ) والصلاح ، ( فقد صار هذا من الدنيا بالمعنى ، وإن كان يظن بصورته أنه للّه ) تعالى .