كان به عطش فعرض عليه ماء بارد بعسل فأداره في كفه ثم امتنع عن شربه ، فالدنيا قليلها وكثيرها حرامها وحلالها ملعونة إلا ما أعان على تقوى اللّه ، فإن ذلك القدر ليس من الدنيا وكل من كانت معرفته أقوى وأتقن كان حذره من نعيم الدنيا أشد ، حتى أن عيسى عليه السلام وضع رأسه على حجر لما نام ثم رماه إذ تمثل له إبليس وقال : رغبت في الدنيا ! وحتى أن سليمان عليه السلام في ملكه كان يطعم الناس لذائذ الأطعمة وهو يأكل خبز الشعير ، فجعل الملك على نفسه بهذا الطريق امتهانا وشدة ، فإن الصبر عن لذائذ الأطعمة مع القدرة عليها ووجودها أشد ولهذا روي أن اللّه تعالى زوى الدنيا عن نبينا صلّى اللّه عليه وسلم فكان يطوي أياما ، وكان يشد الحجر على بطنه من الجوع ، ولهذا سلط اللّه البلاء والمحن على الأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل . كل ذلك نظرا لهم وامتنانا عليهم
شرح
فعرض عليه ماء بارد ) ممزوج ( بعسل ) في قدح ( فأداره في كفه ثم امتنع عن شربه ) وناول بعض أصحابه فشربها . رواه سليمان بن المغيرة عن ثابت وقد تقدم . ( فالدنيا قليلها وكثيرها حلالها وحرامها ملعونة ) أي مبعدة من اللّه تعالى إلا ما أعان على تقوى اللّه فإن ذلك القدر ليس من الدنيا ، ( وكل من كانت معرفته ) باللّه ( أقوى وأيقن ) أي أكثر يقينا . وفي بعض النسخ وأتقن أي أثبت وأرسخ ( كان حذره من نعيم الدنيا أشد ، حتى أن عيسى عليه السلام وضع رأسه على حجر لما نام ثم رماه إذ تمثل له إبليس وقال : رغبت في الدنيا ) نقله صاحب القوت .
( وحتى أن سليمان عليه السلام في ملكه كان يطعم الناس لذائذ الأطعمة وهو يأكل خبز الشعير ) وكذا روي عن يوسف عليه السلام أنه كان يطعم الناس في المجاعة لذائذ الأطعمة وهو يجوع ويأكل خبز الشعير ، فقيل له في ذلك فقال : أخشى أن أنسى الجياع ، ( فجعل الملك على نفسه بهذا الطريق امتحانا وشدة ، فإن الصبر عن لذائذ الأطعمة مع القدرة عليها ووجودها ) عنده ( أشد ، ولهذا زوى اللّه تعالى الدنيا عن نبينا صلّى اللّه عليه وسلم ) . قال العراقي : رواه محمد ابن خفيف في شرف الفقراء من حديث عمر بن الخطاب قال : قلت يا رسول اللّه عجبا لمن بسط اللّه لهم الرزق وزواها عنك الحديث . وهو من طريق ابن إسحاق معنعنا انتهى .
قلت : وفي خطبة علي رضي اللّه عنه : ولقد كان في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ما يدلك على مساوىء الدنيا وعيوبها إذا جاع فيها مع خاصته وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته . ( فكان يطوي أياما ) قال العراقي : رواه الترمذي وابن ماجة من حديث ابن عباس « أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يبيت الليالي المتتابعة طاويا وأهله » الحديث . قال الترمذي : حسن صحيح . ( وكان يشد الحجر على بطنه من الجوع ) تقدم ، ( ولهذا سلط اللّه البلاء والمحن على الأنبياء والأولياء ثم الأمثل فالأمثل ) روى أحمد والبخاري والترمذي وابن ماجة من حديث سعد « أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل » الحديث . وروى الطبراني في الكبير من حديث أخت حذيفة « أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل » . الحديث . وروى ابن ماجة وأبو يعلى والحاكم من حديث