يكن من أبناء الدنيا وكانت الدنيا في حقه مزرعة للآخرة ، وإن أخذ ذلك بحظ النفس وعلى قصد التنعم صار من أبناء الدنيا والراغبين في حظوظها إلا أن الرغبة في حظوظ الدنيا تنقسم إلى ما يعرض صاحبه لعذاب الآخرة وسمي ذلك حراما ، وإلى ما يحول بينه وبين الدرجات العلى ويعرضه لطول الحساب ويسمى ذلك حلالا ، والبصير يعلم أن طول الموقف في عرصات القيامة لأجل المحاسبة أيضا عذاب فمن نوقش الحساب عذب إذ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « حلالها حساب وحرامها عذاب » وقد قال أيضا : « حلالها عذاب » إلا أنه عذاب أخف من عذاب الحرام ، بل لو لم يكن الحساب لكان ما يفوت من الدرجات العلى في الجنة وما يرد على القلب من التحسر على تفويتها لحظوظ حقيرة خسيسة لا بقاء لها هو أيضا عذاب ، وقس به حالك في الدنيا إذا نظرت إلى أقرانك وقد سبقوك بسعادات دنيوية كيف يتقطع قلبك عليها حسرات مع علمك بأنها سعادات منصرمة لا بقاء لها ؟ ومنغصة بكدورات لا صفاء لها فما حالك في فوات سعادة
شرح
الدنيا وكانت الدنيا في حقه مزرعة أي بمنزلة ) بقعة يزرع فيها ( ل ) أجل ( الآخرة وإن أخذ ذلك لحظ النفس ) وقضاء الشهوة ( وعلى قصد التنعم صار من أبناء الدنيا و ) من ( الراغبين في حظوظها إلا أن الرغبة في حظوظ الدنيا تنقسم إلى ما يعرض صاحبه لعذاب في الآخرة ويسمى ذلك حراما ، وإلى ما يحول بينه وبين الدرجات العلى ويعرضه لطول الحساب ويسمى ذلك حلالا ، والبصير يعلم أن طول الموقف في عرصات القيامة لأجل الحساب أيضا عذاب فمن نوقش الحساب فقد عذب ) رواه الشيخان من حديث عائشة بدون :
« فقد » وروى الطبراني في الكبير من حديث ابن الزبير : « من نوقش المحاسبة هلك » ( إذ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « حلالها حساب وحرامها عذاب » ) قال العراقي : رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي في الشعب من طريقه موقوفا على علي بن أبي طالب بإسناد منقطع بلفظ : وحرامها نار ، ولم أجده مرفوعا انتهى .
قلت : بل أخرجه الديلمي في مسند الفردوس من حديث ابن عباس بلفظ : « يا ابن آدم الدنيا حلالها حساب وحرامها عقاب » نبه عليه الحافظ السخاوي في المقاصد ، ( وقد قال أيضا :
« حلالها عذاب » ) أي لأن المناقشة في الحساب عذاب ، ( إلا أنه عذاب أخف من عذاب الحرام ، بل لو لم يكن الحساب لكان ما يفوت من الدرجات العلى في الجنة وما يرد في القلب من التحسر على تفويتها بحظوظ حقيرة خسيسة لا بقاء لها هو أيضا عذاب ، وقس به حالك في الدنيا إذا نظرت إلى أقرانك وقد سبقوك بسعادات دنيوية كيف يتقطع قلبك عليها حسرة مع علمك بأنها سعادات ) زائلة ( منصرمة ) منقطعة ( لا بقاء لها ومنغصة بكدورات لا صفاء لها ، فما حالك في فوات سعادة لا يحيط الوصف بعظمتها ) ولا يمكن مقدار جلالتها