أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها ، فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصه عنه مكروه والسلام .
( مثال آخر للدنيا في تعذر الخلاص من تبعاتها بعد الخوض فيها ) : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « إنما مثل صاحب الدنيا كالماشي في الماء هل يستطيع الذي يمشي في الماء أن لا تبتل قدماه » وهذا يعرفك جهالة قوم ظنوا أنهم يخوضون في نعيم الدنيا بأبدانهم وقلوبهم منها مطهرة ، وعلائقها عن بواطنهم منقطعة ، وذلك مكيدة من الشيطان بل لو أخرجوا مما هم فيه لكانوا من أعظم المتفجعين بفراقها ، فكما أن المشي على الماء يقتضي بللا لا محالة يلتصق بالقدم فكذلك ملابسة الدنيا تقتضي علاقة وظلمة في القلب ، بل علاقة الدنيا مع القلب تمنع حلاوة العبادة . قال عيسى عليه السلام : بحق أقول لكم ، كما ينظر
شرح
يصحبك منها وضع عنك همومها لما أيقنت ) به ( من فراقها ، وكن أسر ما تكون فيها احذر ما تكون لها ، فإن صاحبها كلما اطمأن منها إلى سرور أشخصه عنه مكروه والسلام ) .
وهذا الكتاب كتبه إليه قبل أيام خلافته . ذكره الشريف الرضي في نهج البلاغة ولفظه ؛ أما بعد فإن مثل الدنيا مثل الحية لين مسها قاتل سمها فذكره ، وفيه : وكن آنس ما تكون فيها أحذر ما تكون منها ، فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور أشخصته منه إلى محذور أو إلى إيناس ازالته عنه بإيحاش .
وفي رواية : أزاله عنه إيجاش . والمقصود من إيراد هذا الكلام تشبيه الدنيا بالحية في لين المس ونفث السم ، وقد قال الشاعر في ذلك :هي دنيا كحية تنفث الس * م وإن كانت المجسة لانت( مثال آخر للدنيا في تعذر الخلاص من تبعاتها بعد الخوض فيها ) : والتبعة وزان كلمة واحدة التبعات اسم لما يتبعه من ظلامة ونحوها . ( قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إنما مثل صاحب الدنيا كمثل الماشي في الماء هل يستطيع الذي يمشي في الماء أن لا تبتل قدماه » ) قال العراقي : رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي من طريقه في الشعب من رواية الحسن قال : بلغني أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال فذكره ، ووصله البيهقي في الشعب وفي الزهد من رواية الحسن عن أنس انتهى .
قلت : لفظ البيهقي في الشعب : هل من أحد يمشي على الماء إلا ابتلت قدماه ؟ كذلك صاحب الدنيا لا يسلم من الذنوب ، وهو استثناء من أعم عام الأحوال تقديره : هل يمشي في حال من الأحوال إلا في حال ابتلال قدميه .
( وهذا يعرفك جهالة قوم ظنوا أنهم يخوضون في نعيم الدنيا بأبدانهم وقلوبهم عنها مطهرة وعلائقها عن بواطنهم منقطعة ، وذلك مكيدة من الشيطان ) ألقاها على قلوبهم فأعمى بها بصائرهم ، ( بل لو أخرجوا مما هم فيه لكانوا من أعظم المتفجعين بفراقها ) وازوائها عنهم ، ( فكما أن المشي في الماء يقتضي بللا لا محالة يلتصق بالقدم ، فكذلك ملابسة الدنيا تقتضي علاقة وظلمة في القلب ، بل علاقة القلب مع الدنيا تمنع حلاوة العبادة . قال