تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 596

مساهمون:

ص٥٩٦
من الحلى والثياب ، وإذا لا يمر بها أحد إلا جرحته ، فإذا هي أدبرت كانت أحسن شيء رآه الناس ، وإذا هي أقبلت كانت أقبح شيء رآه الناس ، عجوز شمطاء زرقاء عمشاء قال : فقلت أعوذ باللّه منك ! قالت : لا واللّه . لا يعيذك اللّه مني حتى تبغض الدرهم ! قال : فقلت من أنت ؟ قالت : أنا الدنيا . ( مثال آخر للدنيا وعبور الإنسان بها : اعلم أن الأحوال ثلاثة : حالة لم تكن فيها شيئا وهي ما قبل وجودك إلى الأزل ، وحالة لا تكون فيها مشاهدا للدنيا وهي ما بعد موتك إلى الأبد ، وحالة متوسطة بين الأبد والأزل وهي أيام حياتك في الدنيا ؛ فانظر إلى مقدار طولها وانسبه إلى طرفي الأزل والأبد حتى تعلم أنه أقل من منزل قصير في سفر بعيد ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم : « ما لي وللدنيا ! وإنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب سار في يوم صائف فرفعت له شجرة فقال تحت ظلها ساعة ثم راح وتركها » . ومن رأى الدنيا
شرح
على قارعة الطريق عليها من كل زينة الحلى والثياب ، وإذ لا يمر بها أحد إلا جرحته ، فإذا هي أدبرت كانت أحسن شيء رآها الناس ، وإذا هي أقبلت كانت أقبح شيء رآه الناس . عجوز شمطاء زرقاء عمشاء . قال : فقلت أعوذ باللّه منك . قالت : لا واللّه لا يعيذك اللّه مني حتى تبغض الدرهم . قال ، قلت : من أنت ؟ قالت : أنا الدنيا ) وهذه القصة أشبه بقصة العلاء بن زياد التي أوردناها آنفا ، وأن الفضيل بلغه عن رجل عنه والتاريخ يقبله واللّه أعلم . ( مثال آخر للدنيا وعبور الإنسان بها : اعلم ) هداك اللّه تعالى ( أن الأحوال ثلاثة : حالة لم تكن فيها شيئا ) مذكورا ( وهي ما قبل وجودك ) في هذا العالم إلى الأزل أي استمداد الوجود في أزمنة مقدرة غير متناهية في جانب الماضي . ( وحالة لا تكون فيها مشاهدا للدنيا وهي ما بعد موتك إلى الأبد ) وهو استمراره كذلك في المآل . ( وحالة متوسطة بين الأبد والأزل وهي أيام حياتك في الدنيا ) ورجوك فيها ( فانظر إلى مقدار طولها وانسبه إلى طرفي الأزل والأبد حتى تعلم أنه أقل من منزل قصير في سفر طويل ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلم ، « ما لي وللدنيا ) أي ليس لي الفة ومحبة معها ولا لها معي حتى أرغب فيها . وأي إلفة لي وصحبة مع الدنيا . قال الطيبي : واللام في الدنيا مقحمة للتأكيد إن كان الواو بمعنى « مع » وإن كان للعطف فتقديره : مالي وللدنيا معي ( إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكب سار في يوم صائف ) اي شديد الحر ( فرفعت له ) أي ظهرت له ( شجرة فقال تحت ظلها ) من القيلولة وهي نوم نصف النهار ، والمراد هنا مطلق الاستراحة ( ساعة ) يدفع بذلك حرّ الوقت ( وتركها » ) قال العراقي : رواه الترمذي ، وابن ماجة ، والحاكم من حديث ابن مسعود بنحوه . ورواه أحمد ، والحاكم وصححه من حديث ابن عباس انتهى .