تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 597

مساهمون:

ص٥٩٧
بهذه العين لم يركن إليها ولم يبال كيف انقضت أيامه في ضر وضيق أو في سعة ورفاهية ، بل لا يبني لبنة على لبنة . توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وما وضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة . ورأى بعض الصحابة يبني بيتا من خص فقال : « أرى الأمر أعجل من هذا
شرح
قلت : سياق المصنف هو حديث ابن عباس قال : دخل عمر على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وهو على حصير أثر في جنبه فقال : يا رسول اللّه لو اتخذت فراشا أوثر من هذا : فقال : « ما لي وللدنيا وما للدنيا ومالي والذي نفسي بيده ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها » هكذا أخرجه أحمد والطبراني والحاكم وابن حبان والبيهقي . وأما لفظ حديث ابن مسعود « ما لي وللدنيا ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها ، وهكذا رواه أيضا أحمد وهناد وابن سعد والطبراني والحاكم والبيهقي . قال ابن مسعود : دخلت على النبي صلّى اللّه عليه وسلم وهو نائم على حصير قد أثر بجنبه فبكيت فقال : « ما يبكيك » ؟ قلت : كسرى وقيصر على الخز والديباج وأنت نائم على هذا الحصير فذكره . قال الهيثمي : رجال أحمد رجال الصحيح غير هلال بن جناب وهو ثقة . وقال الترمذي : هو حسن صحيح . وقال الحاكم : على شرط البخاري ، وأقره الذهبي . قال الطيبي : وهذا التشبيه تمثيلي ووجه الشبه سرعة الرحيل وقلة الملك ، ومن ثم خص الراكب ومقصوده : أن الدنيا زينة زينت للعيون والنفوس فأخذت بهم استحسانا ومحبة ، ولو باشر القلب معرفة حقيقتها ومصيرها لأبغضها ولما آثرها على الآجل الدائم . وقال الحكيم في نوادر الأصول : جعل اللّه الدنيا ممرا والآخرة مقرا والروح جارية والرزق بلغة والمعاش حجة والسعي جزاء ودعاء من دار الآفات إلى دار السلام ، ومن السجن إلى البستان ، وذلك حال كل إنسان لكن للنفس أخلاق دنيئة رديئة تعمى عن كونها دار ممر وتلهى عن تذكر كون الآخرة دار مقر ، ولا يبصر ذلك إلا من اطمأنت نفسه وماتت شهوته واستنار قلبه بنور اليقين ، ولذلك شهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم هذه الحال في نفسه ولم يضفها لغيره ، وإن كان سكان الدنيا جميعا كذلك لعماهم عما هناك . ( ومن رأى الدنيا بهذه العين لم ير كن إليها ولم يبال كيف انقضت أيامه في ضر وضيق أو في سعة ورفاهية ، بل لا يبني لبنة على لبنة ) بفتح فكسر واحدة اللبن ككتف وقد يخفف وهو ما يعمل من الطين ويبني به . ( توفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وما وضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة ) . قال العراقي : رواه ابن حبان والطبراني في الأوسط من حديث عائشة بسند ضعيف انتهى . وفي خطبة علي رضي اللّه عنه يذكر فيها ما كان عليه صلّى اللّه عليه وسلم من الزهد في الدنيا فقال : خرج من الدنيا خميصا وورد الآخرة سليما لم يضع حجرا على حجر حتى مضى لسبيله ، وأجاب داعي ربه . ( ورأى بعض أصحابه يبني بيتا من خص ) بالضم هو القصب الفارسي يبنى به البيت ،