بيان صفة الدنيا بالأمثلة :
اعلم أن الدنيا سريعة الفناء قريبة الانقضاء ، تعد بالبقاء ثم تخلف في الوفاء ، تنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة وهي سائرة سيرا عنيفا ومرتحلة ارتحالا سريعا ، ولكن الناظر إليها قد لا يحس بحركتها فيطمئن إليها ، وإنما يحس عند انقضائها ، ومثالها الظل فإنه متحرك [ ساكن ، متحرك ] في الحقيقة ساكن في الظاهر ، لا تدرك حركته بالبصر الظاهر ، بل بالبصيرة الباطنة ، ولما ذكرت الدنيا عند الحسن البصري رحمه اللّه أنشد وقال :
شرح
ولا ماض يرتد . فسبحان اللّه ما أقرب الحي من الميت بلحاقه به وأبعد الميت من الحي لانقطاعه عنه . إنه ليس شيء بشر من الشر إلا عقابه ، وليس شيء بخير من الخير إلا ثوابه ، وكل شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه ، وكل شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه ، فليكفكم من العيان السماع ومن الغيب الخبر .
وقال رضي اللّه عنه أيضا في خطبة له : وإنما الدنيا منتهى بصر الأعمى لا يبصر مما وراءها شيئا والبصير ينفذها بصره ويعلم أن الدار وراءها فالبصير منها شاخص والأعمى إليها شاخص والبصير منها يتزوّد والأعمى لها متزوّد .
وقال رضي اللّه عنه أيضا في خطبة له : وأحذركم الدنيا فإنها دار شخوص ومحلة تنقيص ساكنها ظاعن وقاطعها بائن تميد بأهلها ميدان السفينة تصفقها العواصف في لحجج البحار ، فمنهم الغرق الموبق ، ومنهم الناجي على متون الأمواج . تحقره الرياح بأذيادها وتحمله على أهوالها . فما غرق منها فليس بمستدرك وما نجا منها فإلى مهلك . وله رضي اللّه عنه كلام في هذا الباب كثير قد اقتصرت على ما ذكرت .