شرح
فانية فإن من عليها الأخير في ازوادها إلا التقوى . من أقل منها استكثر مما يؤمنه ومن استكثر منها استكثر مما يوبقه وزال عما قليل عنه . كم من واثق بها قد فجعته وذي طمأنينة إليها قد صرعته وذي أبهة قد جعلته حقيرا وذي نخوة قد ردته ذليلا . سلطانها دول وعيشها دنف وعذبها أجاج وحلوها صبر وغذاؤها سمام وأسبابها رمام . حيها بعرض موت وصحيحها بعرض سقم . ملكها مسلوب وعزيزها مغلوب وموفورها منكوب وجارها محروب . ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعمارا وأبقى آثارا وأبعد مالا وأعد عديدا وأكثف جنودا ، تعبدوا للدنيا أي تعبد ، وآثروها أي إيثار ثم ظعنوا منها بغير زاد مبلغ ولا ظهر قاطع ، فهل بلغكم أن الدنيا سنحت لهم نفسا بفدية أو اعانتهم بمعونة وأحسنت لهم صحبة ، بل أرهقتهم بالقوادح وأدهشتهم بالقوارع وضعضعتهم بالنوائب وعفرتهم للمناخر ووطئتهم بالمناسم وأعانت عليهم ريب المنون ، فقد رأيتم تنكرها لمن دان لها وآثرها وأخلد إليها حتى ظعنوا منها لفراق الأبد . هل زودتهم إلا السغب أو أحلتهم إلا الضنك أو نورت لهم إلا الظلمة أو أعقبتهم إلا الندامة ؟ أفهذه تؤثرون أم إليها تطمئنون أم عليها تحرصون ؟ فبئست الدار لمن لم يتهمها ولم يكن منها على وجل منها . فاعملوا وأنتم تعلمون بأنكم تاركوها وظاعنون عنها ، واتعظوا فيها بالذين قالوا من أشد منا قوة . حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ، وانزلوا فلا يدعون ضيفانا ، وجعل لهم من الصفيح أجنان ومن التراب أكفان ومن الرفات جيران . فهم جيرة لا يجيبون داعيا ولا يمنعون ضيما ولا يبالون مندبة . إن جيدوا لم يفرحوا وإن قحطوا لم يقنطوا جميعا ، وهم آحاد وجيرة وهم أبعاد متدانون ، لا يتزاورن وقريبون لا يتقاربون .
حلماء قد ذهبت أضغانهم وجهلاء قد ماتت أحقادهم لا يخشى فجعهم ولا يرجى دفعهم . استبدلوا بظهر الأرض بطنا وبالسعة ضيقا وبالأهل غربة وبالنور ظلمة فجاءوها كما فارقوها حفاة عراة قد ظعنوا عنها بأعمالهم إلى الحياة الدائمة والدار الباقية كما قال سبحانه :كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ[ الأنبياء : 104 ] .
وقال رضي اللّه عنه في خطبة له أما بعد فإني أحذركم الدنيا فإنها منزلة قلعة وليست بدار نجعة .
قد تزينت بغرورها وغرت بزينتها . دار هانت على ربها فخلط حلالها بحرامها وخيرها بشرها وحياتها بموتها وحلوها بمرها . لم يصطفها اللّه لأوليائه وكم يضن بها على أعزائه . خيرها زهيد وشرها عتيد وجمعها ينفد وملكها يسلب وعامرها يخرب . فما خير دار تنقص نقص البناء وعمر يفني فناء الزاد ومدة تنقطع انقطاع السير .
وقال رضي اللّه عنه في خطبة له : ثم إن الدنيا دار فناء وعناء وعبر وغير ، فمن الفناء أن الدهر موتر قوسه لا تخطىء سهامه ولا تؤسي جراحه . يرى الحي بالموت والصحيح بالسقم والناجي بالعطب . آكل لا يشبع وشارب لا ينفع ، ومن العناء أن المرء يجمع ما لا يأكل ويبني ما لا يسكن ثم يخرج إلى اللّه لا ما لا حمل ولا بناء نقل ، ومن غيرها أنك ترى المرحوم مغبوطا والمغبوط مرحوما ليس ذلك إلا نعيما ذل وبؤسا نزل . ومن عبرها أن المرء يشرف على أمله فيقتطعه حضور أجله ، فلا أمل يدرك ولا موت يترك . فسبحان اللّه ما أغر سرورها واظمأريها وأضحى فيئها إلا جاء يرد