تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 588

مساهمون:

ص٥٨٨
أهان الدنيا ، وأنه لم يرضها لأوليائه ، وأنها عنده حقيرة قليلة ، وأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم زهد فيها وحذر أصحابه من فتنتها ، أكلوا منها قصدا وقدموا فضلا ، وأخذوا منها ما يكفي وتركوا ما يلهي ، لبسوا من الثياب ما ستر العورة ، وأكلوا من الطعام أدناه مما سد الجوعة ، ونظروا إلى الدنيا بعين أنها فانية ، وإلى الآخرة أنها باقية ، فتزوّدوا من الدنيا كزاد الراكب فخربوا الدنيا وعمروا بها الآخرة ، ونظروا إلى الآخرة بقلوبهم فعلموا أنهم سينظرون إليها بأعينهم فارتحلوا إليها بقلوبهم لما علموا أنهم سيرتحلون إليها بأبدانهم ، تعبوا قليلا وتنعموا طويلا ، كل ذلك بتوفيق مولاهم الكريم ، أحبوا ما أحب لهم وكرهوا ما كره لهم .
شرح
الحسن جماعة كثيرون منهم : محمد بن الحسن بن أنس الصغاني ، ومحمد بن الحسن بن أبي الحسن البراد الكوفي ، ومحمد بن الحسن بن زبالة المديني ، ومحمد بن الحسن بن الزبير الكوفي ، ومحمد بن الحسن بن عطية بن سعد العوفي ، ومحمد بن الحسن بن عمران الواسطي ، ومحمد بن الحسن بن هلال ، ومحمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني ، واللّه أعلم أيهم أراده المصنف : ( لما علم أهل العقل والعلم والمعرفة والأدب أن اللّه عز وجل قد أهان الدنيا ) وحقر شأنها ، ( وأنه لم يرضها لأوليائه ، وأنها عنده حقيرة قليلة ) المقدار ، ( وأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم زهد فيها ) ورغب عنها ( وحذر أصحابه من فتنتها ) وضرب لهم في ذلك الأمثال كما سيأتي ذكرها . ( أكلوا منها قصدا ) أي مقتصدين لا إفراطا ولا تفريطا ( وقدموا فضلا بين ) أيديهم ، ( وأخذوا منها ما يكفي ) في عمارة البدن ( وتركوا ما يلهي ) عن اللّه تعالى ( لبسوا من الثياب ما ستر العورة ) واكتفوا به عن لبس ثياب الشهرة . ( وأكلوا من الطعام أدناه ) أي أقله ( مما سد الجوعة ) وأمسك الرمق . ( ونظروا إلى الدنيا بعين أنها فانية ) وكل ما فيها إلى زوال ( وللآخرة أنها باقية فتزودوا من الدنيا كزاد الراكب ) كناية عن التقليل ، فإن الراكب مع الراحلة لا يحمل من الزاد إلا قدر ما يكفيه فقط ولم يحمل الفضل ، ( فخربوا الدنيا وعمروا بها الآخرة نظروا إلى الآخرة بعين قلوبهم فعلموا أنهم سينظرون إليها بأعينهم ، فارتحلوا إليها بقلوبهم لما علموا أنهم سيرتحلون إليها بأبدانهم صبروا قليلا وتنعموا طويلا كل ذلك بتوفيق مولاهم الكريم أحبوا ما أحب لهم وكرهوا ما كره لهم ) ، وللّه در القائل :إن للّه عبادا فطنا * طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا * أنها ليست لحيّ وطنا جعلوها لجة واتخذوا * صالح الأعمال فيها سفناولنختم هذا الفضل بكلام أمير المؤمنين علي رضي اللّه عنه فيما يتعلق بالدنيا مما ذكره صاحب نهج البلاغة وفي سياقه المشهي إذ هو مستقى من بحر النبوة . قال رضي اللّه عنه في بعض خطبه : لا ترفعوا من رفعته الدنيا ، ولا تشيموا بارقها ، ولا تسمعوا ناطقها ، ولا تجيبوا ناعقها ، ولا تستضيؤا