تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 589

مساهمون:

ص٥٨٩
شرح
بإشراقها ، ولا تفتنوا باعلاقها ، فإن برقها خالب ، ونطقها كاذب ، وأموالها محروبة ، وأعلاقها مسلوبة ، ألا وهي المتصدية العنون والجامحة الحرون والمانية الخؤون ، والحجود الكنود ، والعنود الصدود ، والحيود الميود . حالها أثقال ووطأتها زلزال وعز هاذل وجدها هزل وعلوها سفل دار صرف وسلب ونهب وعطب أهلها على ساق وسباق ولحاق . وقد تحيرت مذاهبها وأعجزت مهاربها وخابت مطالبها ، فأسلمتهم المعاقل ولفظتهم المنازل وأعيتهم المحاول فمن ناج معقور ولحم مجزور وشلو مذبوح ودم مسفوح وعاض على يديه وصافق لكفيه ومرتفق بخديه وراد على رأيه وراجع عن عزمه . وقد أدبرت الحيلة وأقبلت العيلة . ولات حين مناص هيهات هيهات فات ما فات وذهب ما ذهب ومضت الدنيا لحال بالها فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين . وقال رضي اللّه عنه في خطبة له ، والدنيا دار بني لها الفناء ولأهلها منها الجلاء وهي حلوة خضرة قد عجلت للطالب والتبست بقلب الناظر فارتحلوا عنها بأحسن ما بحضرتكم من الزاد ، ولا تسألوا فيها فوق الكفاف ، ولا تطلبوا فيها أكثر من البلاغ . وقال رضي اللّه عنه في خطبة له : فإن الدنيا رتق مشربها ردغ مشرعها بريق منظرها ويؤبن مخبرها . غرور حائل وضوء آفل وظل زائل وسناد مائل ، حتى إذا أنس نافرها واطمأن ناكرها قمعت بأرجلها وقنصت بأحبلها وأقصدت بأسهمها وأعلقت المرء ادهات المنية قائدة له إلى ضنك المضطجع ووحشة المرجع ومعاينة المحل وثواب العمل . وقال رضي اللّه عنه في خطبة له : انظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها الصادقين فيها ، فإنها واللّه عما قليل تزيل الساوي الثاوي الساكن ، وتفجع المترف الآمن لا يرجع ما تولى منها فأدبر ولا يرد ما هو آت منها فينتظر سرورها مشوب بالحزن وجلد الرجال فيها إلى الضعف والوهن ، فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها رحم اللّه امرءا تفكر فاعتبر واعتبر فابصر ، فكان ما هو كائن من الدنيا عن قليل لم يكن ، وكان ما هو كائن من الآخرة عما قليل لم يزل وكل معدود منقض وكل متوقع آت وكل آت قريب دان . وقال رضي اللّه عنه في خطبة له أما بعد : فإني أحذركم الدنيا فإنها حلوة خضرة حفت بالشهوات وتحببت بالعاجلة ووافت بالقليل وتحلت بالآمال وتزينت بالغرور . لا تدوم حبرتها ولا تؤمن فجعتها . غرارة ضرارة حائلة زائلة نافذة بائدة اكالة غوالة لا تعد ، وإذا تناهت إلى أمنية أهل الرغبة فيها والرضا بها أن تكون كما قال اللّه تعالى :كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً[ الكهف : 45 ] لم يكن امرؤ منها في حيرة إلا أعقبته بعدها عبرة ، ولم يلق من سرائها بطنا إلا منحته من ضرائها ظهرا ، ولم تطله فيها ديمة رخاء إلا هشت عليه مزنة بلاء ، وحري إذا أصبحت له منتصرة أن تمسي له متنكرة ، وإن جانب منها اعذوذب واحلولى أمر منها جانب ، فأولى لا ينال امرؤ من غضارتها رغبا إلا أرهقته من نوائبها تعبا ، ولا يمسي منها في جناح إلا أصبح على قوادم خوف غرارة غرور ما فيها