تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 586

مساهمون:

ص٥٨٦
به ، والدهر يوم مقبل تنعاه ليلته وتطويه ساعاته ، وأحداثه تتوالى على الإنسان بالتغيير والنقصان ، والدهر موكل بتشتيت الجماعات وانخرام الشمل وتنقل الدول ، والأمل طويل والعمر قصير وإلى اللّه تصير الأمور . وخطب عمر بن عبد العزيز رحمة اللّه عليه فقال : يا أيها الناس إنكم خلقتم لأمر إن كنتم تصدقون به فإنكم حمقى ، وإن كنتم تكذبون به فإنكم هلكى ، إنما خلقتم للأبد ولكنكم من دار إلى دار تنقلون ، عباد اللّه إنكم في دار لكم فيها من طعامكم غصص ، ومن شرابكم شرق ، لا تصفو لكم نعمة تسرون بها إلا بفراق أخرى تكرهون فراقها ، فاعملوا لما أنتم صائرون إليه ، وخالدون فيه . ثم غلبه البكاء ونزل .
شرح
وإليه أشار الصوفية بقولهم : الصوفي ابن وقته ( والدهر يوم مقبل تنعاه ليلته وتطويه ساعته ، وأحداثه ) أي صروفه ( تتوالى على الإنسان بالتغيير والنقصان والدهر موكل بتشتيت الجماعات وانخرام الشمل وتنقل الدول ، والأمل طويل والعمر قصير وإلى اللّه تصير الأمور ) أخرجه ابن أبي الدنيا . ( وخطب عمر بن عبد العزيز ) رحمه اللّه تعالى ( فقال : يا أيها الناس إنكم خلقتم لأمر إن كنتم تصدقون به فأتنم حمقى ) لا عقول لكم ، ( وإن كنتم تكذبون به إنكم لهلكى ، إنما خلقتم للأبد ولكنكم من دار إلى دار تنقلون عباد اللّه إنكم في دار لكم فيها من طعامكم غصص ) جمع غصة بالضم وهو ما يعترض في الحلق فيغص به ، ( ومن شرابكم شرق ) وهو ما يشرق به في الحلق ( لا تصفو لكم نعمة تسرون بها إلا بفراق لأخرى تكرهون فراقها ، فاعملوا لما أنتم صائرون إليه وخالدون فيه . ثم غلبه البكاء ونزل ) هكذا أخرجه ابن أبي الدنيا . وأخرجه أبو نعيم في الحلية مختصرا فقال : حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن ، حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار قال : قال عمر بن عبد العزيز إنما خلقتم للأبد ولكنكم تنقلون من دار إلى دار ثم ساق سند آخر إلى ابن عيينة قال فيه قال عمر بن عبد العزيز ولم يذكر عمرو بن دينار ، وقال في موضع آخر : إن هذه الخطبة كانت بخناصرة وقد سبقه إلى ذلك علي رضي اللّه عنه فقال في بعض خطبه : أيها الناس إنما أنتم في هذه الدنيا غرض تنتقل فيه المنايا مع كل جرعة شرق ، وفي كل أكلة غصص لا تنالون منها نعمة إلا بفراق أخرى ولا يعمر معمر منكم يوما من عمره إلا بهدم آخر من أجل ولا تجدد له زيادة في أكلة إلا بنفاد ما قبلها من رزقه ، ولا يحيا له أثر إلا مات له أثر ، ولا يتجدد له جديد إلا بعد أن يخلق له جديد ، ولا تقوم له ثانية إلا وتسقط منه مخضودة .