وقال بعض الحكماء : الأيام سهام والناس أغراض ، والدهر يرميك كل يوم بسهامه ويخترمك بلياليه وأيامه حتى يستغرق جميع أجزائك ، فكيف بقاء سلامتك مع وقوع الأيام بك وسرعة الليالي في بدنك ؟ لو كشف لك عما أحدثت الأيام فيك من النقص لاستوحشت من كل يوم يأتي عليك واستثقلت ممر الساعة بك ولكن تدبير اللّه فوق تدبير الاعتبار ، وبالسلوّ عن غوائل الدنيا وجد طعم لذاتها ، وأنها لأمر من العلقم إذا عجنها الحكيم ، وقد أعيت الواصف لعيوبها بظاهر أفعالها ، وما تأتي به من العجائب أكثر مما يحيط به الواعظ ، اللهم أرشدنا إلى الصواب .
وقال بعض الحكماء : وقد استوصف الدنيا وقدر بقائها فقال : الدنيا وقتك الذي يرجع إليك فيه طرفك ، لأن ما مضى عنك فقد فاتك إدراكه ، وما لم يأت فلا علم لك
شرح
الملحدة التي قد بني على الخراب بناؤها وشيد بالتراب بناؤها ، فمحلها مقترب وساكنها مغترب ، بين أهل محلة موحشين وأهل فراغ متشاغلين لا يستأنسون بالأوطان ولا يتواصلون تواصل الجيران ، على ما بينهم من قرب الجوار ودنو الدار ، وكيف يكون بينهم تزاور وقد طحنهم بكلكله البلا وأكلتهم الجنادل والثرى . وكان قد صرتم إلى ما صاروا إليه وارتهنكهم ذلك المضجع وضمكم ذلك المستودع ، وكيف بكم لو تناهت بكم الأمور وبعثرت القبور . هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت وردوا إلى اللّه مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون .
( وقال بعض الحكماء : الأيام سهام والناس أغراض ، والدهر يرميك كل يوم بسهامه ويخترمك بلياليه وأيامه ) أي ينتقصك ( حتى يستغرق جميع أجزائك ) أي يستولي . ( فكيف بقاء سلامتك مع وقوع الأيام بك وسرعة الليالي في بدنك ؟ لو كشف لك ) وحققت الحقائق ( عما أحدثت الأيام فيك من النقص لاستوحشت من كل يوم يأتي عليك واستثقلت ممر الساعة بك ولكن تدبير اللّه فوق الاعتبار ) لكل معتبر ، ( وبالسلو عن غوائل الدنيا ) أي مهالكها ( وجد طعم لذاتها ) لذائقيه ، ( وأنها الأمر من العلقم ) وهو الحنظل وقيل : قثاء الحمار ( إذا عجنها الحكيم ) أي اختبرها ، ( وقد أعيت الواصف ) أي أعجزته ( لعيوبها بظاهر افعالها ، وما تأتي به من العجائب أكثر مما يحيط به الواعظ ) في فصيح مقاله ( فتستوهب اللّه رشدا إلى الصواب ) هذا كله ما كتبه الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز . أورده هكذا بتمامه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا .
( وقال بعض الحكماء : وقد استوصف الدنيا وقدر بقائها فقال : الدنيا وقتك الذي يرجع إليك فيه طرفك ، لأن ما مضى عنك فقد فاتك إدراكه ، وما لم يأت فلا علم لك به ) وإليه أشار القائل :ما مضى فات والمؤمل غيب * ولك الساعة التي أنت فيها