تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 583

مساهمون:

ص٥٨٣
محفوفة وبالفناء معروفة وبالغدر موصوفة ، وكل ما فيها إلى زوال وهي بين أهلها دول وسجال ، لا تدوم أحوالها ولا يسلم من شرها نزالها ، بينا أهلها منها في رخاء وسرور إذا هم منها في بلاء وغرور . أحوال مختلفة وتارات منصرفة . العيش فيها مذموم والرخاء فيها لا يدوم وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة . ترميهم بسهامها وتقصيهم بجمامها . وكل حتفة فيها مقدور وحظه فيها موفور . واعلموا عباد اللّه أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا وأشد منكم بطشا وأعمر ديارا وأبعد آثارا . فأصبحت أصواتهم هامدة خامدة من بعد طول تقلبها وأجسادهم بالية وديارهم على عروشها خاوية وآثارهم عافية ، واستدلوا بالقصور المشيدة والسرر والنمارق الممهدة . الصخور والأحجار المسندة في القبور اللاطئة الملحدة . فمحلها مقترب وساكنها مغترب بين أهل عمارة موحشين وأهل محلة متشاغلين . لا يستأنسون بالعمران ولا يتواصلون تواصل الجيران والأخوان على ما بينهم من قرب المكان والجوار ودنو الدار . وكيف يكون بينهم تواصل وقد طحنهم بكلكله البلا وأكلتهم الجنادل والثرى ؟
شرح
محفوفة وبالفناء معروفة وبالغدر موصوفة ، وكل ما فيها إلى زوال فهي من أهلها دول ) أي نوب ( وسجال ) جمع سجل بالفتح وهو الدلو يقال الحرب بينهم سجال أي تارة لهم وتارة عليهم ، ( لا تدوم أحوالها ) أي لا تثبت على حالة واحدة ( ولن يسلم من شر نزالها ) جمع نازل أي واردها شبههم بالمسافر الذي ينزل ثم يسافر ، ( بينا أهلها منها في رخاء وسرور إذا هم منها في بلاء وغرور ، وأحوال مختلفة وتارات منصرفة ) أي متغيرة . ( العيش فيها مذموم والرخاء فيها لا يدوم وإما أهلها فيها أغراض مستهدفة بالبلايا والمحن . ترميهم بسهامها وتقصمهم ) أي تكسرهم ( بحمامها ) أي موتها العاجل ( وكل ) منهم ( حتفه فيها مقدور ) مكتوب من الأزل ، ( وحظه منها موفور ) أي واف . ( واعلموا عباد اللّه أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل قد مضى ممن كان أطول منكم أعمارا وأشد منكم بطشا ) أي قوة وقهرا ، ( وأعمر ديارا وأبعد آثارا فأصبحت أصواتهم هامدة ) أي ساكنة ( من بعد طول تقلبها ، وأجسادهم بالية وديارهم خالية وآثارهم عافية ) أي مندرسة . ( استبدلوا بالقصور المشيدة والسرور والنمارق الممهدة الصخور والأحجار المنسدة في القبور اللاطئة ) أي اللاصقة ، ( الملحدة ، فمحلها مقترب وساكنها مغترب بين أهل عمارة موحشين ، وأهل محلة متشاغلين لا يستأنسون بالعمران ولا يتواصلون تواصل الجيران والاخوان على ما بينهم من قرب المكان والجوار ودنو الدار ، وكيف يكون بينهم تواصل ) أو توافق ( وقد طحنهم بكلكله ) أي بصدره . يقال : أناخ عليه الذهر بكلكله وأصله في صدر البعير ، وذلك لأنه إذا أناخ على شيء بصدره فقد أهلكه ، ثم استعير للدهر ( البلى ) أي استأصلهم فلم يبق منهم شيئا ،