وأصبحوا بعد الحياة أمواتا وبعد نضارة العيش رفاتا فجع بهم الأحباب وسكنوا تحت التراب وظعنوا فليس لهم إياب . هيهات هيهات :
كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ
[ المؤمنون : 100 ] فكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى والوحدة في دار المثوى وأرتهنتم في ذلك المضجع وضمكم ذلك المستودع .
فكيف بكم لو عاينتم الأمور وبعثرت القبور وحصل ما في الصدور وأوقفتم للتحصيل بين يدي الملك الجليل فطارت القلوب لإشفاقها من سالف الذنوب وهتكت عنكم الحجب والأستار وظهرت منكم العيوب والأسرار ؟ هنالك تجزى كل نفس بما كسبت إن اللّه عز وجل يقول :
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى
[ النجم : 31 ] وقال تعالى :
وَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ
[ الكهف : 41 ] الآية جعلنا اللّه وإياكم عاملين بكتابه متبعين لأوليائه حتى يحلنا وإياكم دار المقامة من فضله إنه حميد مجيد .
شرح
( وأكلتهم الجنادل والثرى ، وأصبحوا بعد الحياة أمواتا وبعد نضارة العيش ) أي طراوته ( رفاتا ) متكسرين . ( فجع بهم الأحباب وسكنوا التراب وظعنوا ) أي ساروا ( فليس لهم إياب أي رجوع . ( هيهات هيهاتإِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَفكأن قد صرتم إلى ما صار وإليه من البلاء والوحدة في دار المثوى وارتهنتم في ذلك المضجع ) أي حبستم ( وضمكم ذلك المستودع . فكيف بكم لو قد عاينتم الأمور وبعثرت القبور ) أي أخرج ما فيها ( وحصل ما في الصدور ) من النبات ( وأوقفتم للتحصيل بين يدي الملك الجليل فطارت القلوب لإشفاقها ) أي خوفها ( من سالف الذنوب وهتكت منكم الحجب والأستار ) أي مزقت ورفعت ( وظهرت منكم العيوب والأسرار ؟ هنالك تجزي كل نفس بما كسبت ) من خير أو شر ( إن اللّه عز وجل يقول :لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَىوقال تعالىوَوُضِعَ الْكِتابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِالآية جعلنا اللّه وإياكم عاملين بكتابه ومتبعين لأوليائه حتى يحلنا وإياكم دار المقامة من فضله إنه حميد مجيد ) .
هذه الخطبة أوردها الشريف في نهج البلاغة ونصها : دار بالبلاء محفوفة وبالغدر معروفة . لا تدوم أحوالها ولا تسلم نزالها . أحوال مختلفة وتارات متصرفة العيش فيها مذموم والأمان فيها معدوم وإنما أهلها فيها أغراض مستهدفة ترميهم بسهامها وتفنيهم بجمامها . واعلموا عباد اللّه أنكم وما أنتم فيه من هذه الدنيا على سبيل من قد مضى قبلكم ممن كان أطول منكم أعمارا وأعمر ديارا وأبعد آثارا . أصبحت أصواتهم هامدة ورياحهم راكدة وأجسادهم بالية . ديارهم خالية وآثارهم عافية ، واستبدلوا بالقصور المشيدة والنمارق المهدة الصخور والأحجار المسندة والقبور اللاطئة