تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 581

مساهمون:

ص٥٨١
الأرض ، أبيت وليس لي شيء ، وأصبح وليس لي شيء ، وليس على الأرض أحد أغنى مني . . وقال وهب بن منبه : لما بعث اللّه عز وجل موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون قال لا يرو عنكما لباسه الذي لبس من الدنيا ، فإن ناصيته بيدي ليس ينطق ولا يطرف ولا يتنفس إلا بإذني ، ولا يعجبكما ما تمتع به منها فإنما هي زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين ، فلو شئت أن أزينكما بزينة من الدنيا يعرف فرعون حين يراها أن قدرته تعجز عما أوتيتما لفعلت ، ولكني أرغب بكما عن ذلك فأزوي ذلك عنكما ، وكذلك أفعل بأوليائي إني لأذودهم عن نعيمها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة ، وإني
شرح
وطعامي وفاكهتي ما أنبتت الأرض ، أبيت وليس لي شيء ، وأصبح وليس لي شيء ، وليس علي الأرض أحد أغنى مني ) . وفي خطبة علي رضي اللّه عنه كما في نهج البلاغة ، ولقد كان لك في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان لك فيه الأسوة ودليل لك على ذم الدنيا وعيبها وكثرة فخارها إذ قيضت عنه أطرافها ووطئت لغيره أكنافها وفطم من رضاعها وزوى عن زخارفها ، وإن شئت ثنيت بموسى كليم اللّه عليه السلام إذ يقول :رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ[ القصص : 24 ] واللّه ما سأل إلّا خبزا يأكله لأنه كان يأكل بقلة الأرض ، ولقد كانت خضرة البقلة ترى من صفيق بطنه لهزاله وتشاكل لحمه ، وإن شئت ثلثت بداود عليه السلام كان يعمل شقائق الخوص بيده ويقول لجلسائه : أيكم يكفيني بيعها ويأكل قرص الشعير من ثمنها . وان شئت اقتديت بعيسى عليه السلام ، فلقد كان يتوسد الحجر ، ويلبس الخشن ، وإدامه الجوع ، وسراجه بالليل القمر ، وصلاؤه في الشتاء مشارق الشمس ومغاربها ، وفاكهته ما تنبت الأرض للبهائم ، ولم تكن له زوجة ولا ولد ، لا يعز مالا ولكن يذله ، دابته رجلاه ، وخادمه يداه اه . ( وقال وهب بن منبه : لما بعث اللّه موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون ) كان فيما ( قال ) له : اسمع كلامي واسمع وصيتي ( لا يروعنكما لباسه الذين لبس من الدنيا ) أي لا يعجبنكما ( فإن ناصيته بيدي ليس ينطق ) بحرف ( ولا يطرف ) بلحظ ( ولا يتنفس إلا بإذني ، ولا يعجبكما ما متع به منها ) ولا تمدا إلى ذلك أعينكما ( فإنما هي زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين ، ولو شئت ان أزينكما بزينة من الدنيا يعرف فرعون حين يراها أن مقدرته تعجز عما أوتيتما لفعلت ، ولكني أرغب بكما عن ذلك فازوي ) أي أقبض ( ذلك عنكما ، وكذلك أفعل بأوليائي إني لأذودهم ) أي أسوقهم ( عن نعيمها كما يذود الراعي الشفيق ) أي المشفق ( غنمه عن مواقع الهلكة ) محركة أي الهلاك ، ( وإني لأجنبهم ملاذها ورفاءها كما
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 581 | مرتضى الزبيدي